ثم قال بعد هذا : ومن الإبل اثنين وهما : الجمل والناقة.
ومن البقر اثنين ذكر البقر وأنثاه، البقرة والثور. فهذه هي الأصناف الثمانية، التي هي الأنعام، التي يباح أكلها من الحيوانات، كما سيأتي في قوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ( الزمر : الآية ٦ ) وهي هذه الثمانية. وهذا معنى قوله : من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم آلذكرين الهمزة الأولى همزة استفهام، والثانية همزة الوصل. والقاعدة : أن همزة الوصل إذا كانت همزة( أل ) وجاءت قبلها همزة الاستفهام، أن همزة الوصل تبدل مدا بهمزة الاستفهام، ويجوز تسهيلها بين بين، وبعضهم يجيز إبدالها هاء. وزعم بعض علماء القراءات أن الذين مدوها هنا قالوا : ءالذكرين أنهم جاءت عنهم قراءات بتسهيلها بين بين آالذكرين وعلى تسهيلها لم يكن بينهما ألف الإدخال، لأن الألف في التسهيل بين بين إنما يأتي بالهمز المحققة. ومن تسهيل العرب لهمزة الوصل بعد همزة الاستفهام قول الشاعر :
| أيا ظبية الوعساء بين جلاجل | وبين النقا آأنت أم أم سالم |
قول الشاعر :
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا آأنت أم أم سالم
الأصل :( ءأنت ) ولكنها هنا ليست همزة وصل، بل همزة أخرى، وتسهيلها وهي همزة وصل شاهده قول الشاعر :
| أألحق إن دار الرباب تباعدت | أو انبت حبل أن قلبك طائر |
ثم قال : ومن الإبل اثنين الجمل والناقة. ومن البقر اثنين البقرة والثور. ثم أعاد القضية قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين عجزهم في الأول فقال : نبئوني بعلم أخبروني عن هذا الذي حرمتم، وهذا الذي حللتم، ما وجه تحريمكم لهذا ؟ وتحليلكم لهذا ؟ مع استواء الجميع ! وقال في الثاني : أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن ؟.
وآية الأنعام هذه مثال معروف لعلماء الجدل للدليل الذي يسميه الجدليون :( الترديد والتقسيم ) ويسميه المنطقيون :( الشرطي المنفصل )
ويسميه الأصوليون :( السبر والتقسيم )، فكأنه يقول : حرمتم بعض هذه الإناث، وحللتم بعضها، وحرمتم بعض الذكور، وحللتم بعضها، وفرقتم بين ما في بطون الأنعام فقلتم : إنه خالص للذكور، محرم على الأزواج، فرقتم بين هذه الأحكام، فلا يخلو تفريقكم بينها من أحد أمرين في التقسيم الصحيح :
إما أن يكون معللا بعلة معقولة.
وإما أن يكون تعبديا.
وهذا الحصر هو المعبر عنه بالتقسيم في اصطلاح الأصوليين والجدليين، والمعبر عنه بالشرطي المنفصل في اصطلاح المنطقيين. فكأنه يقول : لا يخلو الحال من أمرين : إما أن يكون معللا، وإما أن يكون تعبديا. ثم قال-مثلا- بناء على أنه معلل : إما أن تكون العلة في الذكور : الذكورة، وفي [ الإناث ] ( في الأصل :" الأنوثة " ) : الأنوثة، أو التخلق في الرحم. فلو كانت العلة الذكورة لحرم كل ذكر، ولم يحرم الحام دون غيره من الذكور. ولو كانت العلة الأنوثة لحرمت كل أنثى، ولم يختص بالبحيرة والسائبة والوصيلة. ولو كانت العلة اشتمال الرحم، لحرم الجميع، وحرم اللبن أيضا الذي فرقتم فيه، فحرم الجميع.
ثم قال بناء على أنه تعبدي أبطله بقوله : أم كنتم شهداء أم كنتم حاضرين حتى قال لكم الله : هذا حلال وهذا حرام ؟ فهذا باطل أيضا. فبين أن جميع دعاويهم أنها باطلة كلها بهذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم. وقد بينا أن هذا الدليل من أمهات الجدل العظام، حيث حصر جميع الأوصاف، ثم أبطلها كلها، ولا يكون بهذا المعنى إلا عند الجدليين، لأنه عند الأصوليين لا يكون إلا في مسالك العلة، ولا بد أن يبقى وصف صحيح هو العلة. كأن تقول : العلة في تحريم البر : إما أن تكون الطعم، أو الكيل، أو الاقتيات والادخار. فلا بد أن تبطل بعض الأوصاف، وتترك وصفا صالحا في زعمك، تقول : إنه علة.
وقد ذكرنا في الكثير من المناسبات وفي بعض ما كتبنا في الكتب أشياء كثيرة عن هذا الدليل، وذكرنا له آثارا تاريخية في العقائد، وآثار تاريخية في الآداب، وذكرنا له أمثلة قرآنية.
فمن أمثلته القرآنية : هذه الآية، ومن أمثلته القرآنية قوله : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون٣٥ ( الطور : الآية٣٥ ) فكأنه يقول : لا يخلوا حالهم من واحدة من ثلاث حالات : إما أن يكونوا خلقوا أنفسهم، أو خلقوا من غير خالق، أو خلقهم خالق. فهذه ثلاثة أقسام، اثنان منها باطلان بلا نزاع، وهو كونهم خلقوا أنفسهم، أو خلقوا من غير خالق. فتغلب القسم الثالث أن لهم خالقا هو رب السماوات والأرض، تجب عليهم طاعته وعبادته. ولا نطيل من أمثلته في القرآن، ونقتصر على أن نذكر له أثرا تاريخيا في العقائد، وأثرا تاريخيا في الآداب.
أما أثره التاريخي في العقائد، فما جاء عن بعض المؤرخين من أن هذا الدليل هو أول مصدر لكبح المحنة العظمى، التي قتل فيها العلماء، وعذب فيها أفاضلهم، وقتلوا، وهي : محنة القول بخلق القرآن، لأن محنة القول بخلق القرآن نشأت في الدولة العباسية أيام المأمون، واستحكمت أيام المأمون، وأيام المعتصم، وأيام الواثق، فهؤلاء الخلفاء الثلاثة العباسيون مضت مدتهم ومحنة القول بالقرآن قائمة على ساق وقدم، يمتحن العلماء، فمنهم من قتل، ومنهم من عذب، ومنهم من وافق مداهنة خوفا على نفسه من الموت. وكان القائم بهذه الدعوة : الخبيث أحمد بن أبي دؤاد الإيادي المشهور، الذي يقدسه العباسيون، وهو العالم الوحيد في نظرهم، وهي التي ضرب فيها سيد المسلمين في زمانه : الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، -غمده الله برحمته الواسعة، وجزاه خيرا-، لأنه هو الذي بقي وحده صامدا، وضرب في أيام المعتصم ضربا مبرحا، حتى يرفع من محل الضرب لا يدري ليلا من نهار، وكلما أفاق وقالوا له : قل القرآن مخلوق ! يقول : لا، القرآن كلام الله غير مخلوق. حتى جاء المتوكل على الله بعد الواثق، فأزال الله هذه المحنة على يديه-جزاه الله من هذه الحسنة خيرا- وأظهر السنة.
ومقصودنا ما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه، وذكره غير واحد، وإن كانت القصة ذكر ابن كثير في تاريخه أن في إسنادها عند الخطيب بعض من لا يعرف، فهي قصة مشهورة، تلقاها العلماء بالقبول في أقطار الدنيا، وهي مشهورة، والاستدلال بها صحيح بلا شك، وهو بهذا الدليل، وذلك أنه في أيام الواثق جيء بشيخ من أهل السنة من الشام، مقيد بالحديد، يمتحن في القول بخلق القرآن، ورد الامتحان على أنه عزم على قتله. روى هذه القصة محمد المهدي، ولد الواثق، قال : كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرني، فلما أراد قتل هذا الشيخ الشامي أحضرني، وقال : ءإذنوا لأبي عبد الله. يعني : أحمد بن أبي دؤاد، فجاء، فقال الشيخ الشامي المكبل بالحديد، السني : السلام عليكم يا أمير المؤمنين !
فقال له : بئس ما أدبك مؤدبك ياأمير المؤمنين، الله يقول : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ( النساء : الآية ٨٦ ) والله ما حييتني بأحسن منها ولا رددتها !
قال له بن أبي دؤاد : الرجل متكلم !
فقال الواثق : ناظره. وفي بعض روايات القصة : أن الشيخ الشامي قال :
هو أحقر من أن يناظرني ! فازداد غضب الواثق عليه، ثم إن ابن أبي دؤاد قال للشيخ الشامي : ما تقول في القرآن ؟ ؟
فقال الشيخ الشامي : ما أنصفتني ! يعني : ولي السؤال. إن المقيد الذين يريدون أن يقدموه للموت أولى بالسؤال !
فقال : سل !
فقال : ما تقول أنت يا ابن أبي دؤاد في القرآن ؟ ؟
فقال : مخلوق
قال : مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها، ويقتل الخلفاء العلماء بسبب دعوتك إليها، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، وأبو بكر وعمر وعلي وعثمان عالمين بها أو لا ؟ ؟
قال بن أبي دؤاد : لم يكونوا عالمين بها.
فقال الشيخ الشامي : سبحان الله ! جهلها رسول الله، وعلمها أحمد بن أبي دؤاد !
فقال بن أبي دؤاد : أقلني، والمناظرة على بابها.
فقال له : لك الإقالة.
ثم قال : ما تقول في القرآن ؟
قال : مخلوق.
قال : هل كان رسول الله وخلفاؤه الراشدون عالمين بدعوتك هذه التي تدعوا الناس إليها أو جاهلين ؟
قال : كانوا عالمين بها، ولكن لم يدعوا الناس إليها.
فقال له الشيخ الشامي : يا بن أبي دؤاد، ألم يسعك في أمة رسول الله ما وسع رسول الله ؟ ولم يسعك في أمة رسول الله ما وسع خلفاؤه الراشدون ؟ ! ففهم الواثق الحقيقة، وقام من مجلسه، واضطجع في محل خلوته واستلقى، وجعل رجله على رجله ثم قال : جهلها رسول الله وعلمتها أنت يا بن أبي دؤاد ! ثم قال : جهلها رسول الله وعلمتها أنت يا ابن أبي دؤاد ! ثم قال : علمها رسول الله وخلفاؤه الراشدون ولم يدعوا الناس إليها، ألم يسع ابن أبي دؤاد في أمة محمد ما وسع رسول الله وخلفاؤه الراشدين ؟ ! وعلم أن ابن أبي دؤاد مبطل.
قالوا : فمن ذلك اليوم لم يمتحن أحدا بعدها، ولم يقدم عالم ليمتحن في القول بخلق القرآن.
وذكر الخطيب : أن الواثق مات بعد أن تاب منها بسبب قصة هذا الشيخ.
وهذا الشيخ إنما استدل بهذا السبر والتقسيم. كأنه يقول : مقالتك هذه لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين : إما أن يكون النبي وخلفاؤه عالمين أوجاهلين ؟ فلا قسم إلا هذان القسمان. ثم نرجع إلى القسمين فنسبرهما ونختبرهما، ونظنك يابن أبي دؤاد ضالا على كل تقدير. إذا كان عالما ولم يدع الناس إليها فقد يسعك ما وسعه، / وإن كان غير عالم بها وأنت عالم بها فهذا لا يمكن أن يقال ! فأنت ضال مبطل على كل تقدير.
ومن آثار الدليل الأدبية : ما ذكره المؤرخون : أن عبد الله بن همام السلولي وشى به واش إلى عبيد الله بن زياد المعروف. -زياد ابن أبيه، الذي يقولون له : زياد ابن أبي سفيان، لأنه استلحقه معاوية بعد موت أبي سفيان، وهو معروف-قال لعبيد الله بن زياد واش من الوشاة : إن ابن همام السلولي يعيبك ويقول فيك كذا وكذا. فأحضر ابن زياد الواشي، وجعله في غرفة قريبة، وأحضر السلولي، وقال : لم تعيبني وتقول في كذا وكذا ؟ قال : أصلح الله الأمير، ما قلت شيئا من ذلك ! ففتح وأخرج الواشي، وقال : هذا أخبرني أنك قلت كذا وكذا ! فسكت ابن همام هنيهة ثم قال يخاطب الواشي :
وأنت امرؤ إما ائتم
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير