ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

شهداء : بمعنى حاضرين وشاهدين.
فمن أظلم : فمن أشد جرما وضلالا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ثمانية أزواج ( ١ ) من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم ( ٢ ) إن كنتم صادقين ( ١٤٣ ) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء( ٣ ) إذ وصاكم الله بهـذا فمن أظلم( ٤ ) ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( ١٤٤ ) قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه( ٥ ) إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا( ٦ ) أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل( ٧ ) لغير الله به فمن اضطر غير باغ( ٨ ) ولا عاد( ٩ ) فإن ربك غفور رحيم ( ١٤٥ ) [ ١٤٣ – ١٤٥ ].
في الآيات أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بمحاججة المشركين في صدد ما يحلونه ويحرمونه من الأنعام ومطالبتهم بما عندهم من برهان وعلم على أن الله تعالى هو الذي حرم ما يحرمون وأحل ما يحلون. وتنديد استطرادي بالذين يفترون على الله الكذب في ذلك. ليضلوا به الناس وإيذان بأن الله لا يمكن أن يسعد ويوفق الظالمين الذين يفعلون ذلك وتقرير بأنه ليس فيما أوحى الله شيء محرم على الآكلين إلا أربعة : وهي الميت حتف أنفه والدم السائل ولحم الخنزير وما ذبح باسم غير الله. مستثنى من ذلك حالة الاضطرار التي يغفرها الله على شرط عدم تجاوز الضرورة وعدم التوسع في الاستباحة ظلما وعدوانا على حدود الله المرسومة، ومعللا بكون تحريم الثلاثة الأولى ناشئا من نجاستها وخبثها، وتحريم الرابعة ناشئا مما انطوى فيه من الفسق أي الشرك مع الله وذكر اسم الشركاء على الذبيحة.
وأسلوب الآيات الأولى أسلوب تقريع وتحد وإنكار من جهة، وفيه إلزام وإفحام من جهة أخرى، فالذكور والإناث من الأزواج الثمانية مشتركة في إنتاج النسل من ذكر وأنثى، وهذا النسل لا يلبث أن يشترك في إنتاج نسل آخر من ذكر وأنثى، فكيف يمكن أن يكون نتاج ما هو حل محرما أو نتاج ما هو محرم حلالا، أو كيف يمكن أن يكون بعض نتاج ما هو حل محرما وبعضه حلالا أو بعض نتاج ما هو محرم حلالا، وبعضه محرما ؟
وصيغة الآيات وأسلوبها يدلان على أنها في صدد حكاية موقف من مواقف الجدل والمناظرة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين في مواضيع تقاليدهم الجاهلية. ويتبادر لنا أن هذه الحكاية لا تنحصر في هذه الآيات بل تشمل الآيات السابقة لها أيضا ابتداء من الآية [ ١٣٦ ] لما بين موضوعها وموضوع هذه الآيات من ارتباط وثيق.
ومضمون الآيات هنا يدل أيضا على أن العرب كانوا يعتبرون هذه التقاليد التحليلية التحريمية تقاليد دينية أولا، وأنها من شرائع الله الأعظم ثانيا. وقد قررت كذبهم وافتراءهم على الله ونددت بهم أشد تنديد لأنهم يقولون ويفعلون بغير علم ولا برهان.
تعليق على الآية
فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم
هذه الآية وإن كانت متصلة بالموضوع الخامس الذي دار الكلام عليه في الآيات فإن إطلاقها يجعل ما فيها تنديدا وإنذارا عاما مستمر التلقين. ولقد جاء في الآية [ ١١٩ ] من هذه السورة جملة فيها بعض المشابهة وعلقنا عليها بما تبادر لنا أنه المتوافق مع ما يلهمه فحواها ومقامها غير أنه يلحظ فرق بين فحوى الآيتين ؛ حيث جاءت الآية [ ١١٩ ] كإخبار وإنذار وجاءت هذه كتنديد وإنذار. وحيث تتحمل الأولى أن تكون تصدت من يضل متأثرا بهواه أو يضل غيره بهواه. وجاءت هذه صريحة ضد الذين يضلون غيرهم ووصفهم بالظالمين، ومع ذلك فإن ما نبهنا عليه وبخاصة ضد الذين يضلون بأهوائهم وافترائهم على الله بدون علم وبرهان ينطوي في هذه الآية أيضا.
ولقد حرمت الشريعة الموسوية التي تعتبر شريعة مسيحية أيضا من الوجهة النظرية والتي حكتها الأسفار المتداولة عزوا إلى توراة موسى المفقودة وإلى الروايات عنها هذه المحرمات الأربعة، غير أنها حرمت أشياء كثيرة أخرى من المأكولات غير محرمة في الشريعة الإسلامية بدون تعليل برجس أو فسق على ما سوف نذكره بعد. كما أنها لم تذكر حالة الاضطرار التي ذكرها القرآن وعفا عنها في نطاق الضرورة حيث يكون في هذا مصداق لما ذكرته آية الأعراف [ ١٥٧ ] من مهمة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من تحليل الطيبات وتحريم الخبائث ورفع الإصر والأغلال والتكاليف الشديدة التي كانت على اليهود والنصارى وبالتالي يكون في ذلك توكيد لذلك الترشيح.
تعليق على الآية
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم واستطراد إلى أسلوب التشريع النبوي
في تعليل المحرمات الأربعة في الآية بالرجس والفسق وحصر التحريم فيها ونفي تحريم أي شيء غيرها من المأكولات مبدأ من المبادئ القرآنية المحكمة بحل كل ما هو طيب وليس فيه معصية ولا خبيث ولا نجاسة من المأكولات عامة.
ومثل هذا يقال بالنسبة إلى استثناء حالة الاضطرار التي يسمح فيها للمضطر عدم الالتزام بذلك، وشرط أن لا يكون في ذلك تحايل ولا تجاوز للضرورة. وفي كل هذا ما فيه من ترشيح الشريعة الإسلامية للخلود والشمول، وهذه المبادئ مما تكرر تقريره في القرآن في مناسبات عديدة مر بعضها في السور التي سبق تفسيرها وبخاصة في سورة الأعراف.
ويلحظ أن الآية وصفت الدم المحرم بالمسفوح أي السائل بحيث يقال : إن هذا هو الأمر المستقر. ولقد روى البغوي عن ابن عباس وغيره أن المسلمين في الصدر الأول كانوا يرون الدم العالق باللحم والمخ والعظم والعروق خارجا عن نطاق التحريم ؛ لأنه غير سائل ويرون التحريم منحصرا في ما خرج من الأوداج سائلا في حالة حياة الحيوان، حيث كان العرب يفصدون الحيوان، وهو حي ويطبخون دمه. ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة في صدد حالة الاضطرار المذكورة في الآية، منها حديث رواه الطبري بطرقه عن أبي واقد الليثي قال :( قلنا : يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة فما يصلح لنا من الميتة ؟ قال : إذا لم تصطبحوا أو تغتدوا أو تحتفؤوا بقلا فشأنكم بها ). وروى حديثا آخر عن الحسن جاء فيه :( سأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى متى يحل لي الحرام ؟ قال : إلى أن يروي أهلك من اللبن أو تجئ ميرتهم ). وروى حديثا ثالثا عن مروة جاء فيه :( سأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الذي حرم الله عليه وأحله له. فقال : يحل لك الطيبات ويحرم عليك الخبائث. إلا أن تفتقر إلى طعام فتأكل منه حتى تستغني عنه. فقال رجل : وما فقري الذي يحل لي وما غناي الذي يغنيني عنه ؟ فقال : إذا كنت لا ترجو غناء تطلبه فتبلغ من ذلك شيئا فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. فقال أعرابي : وما غناي الذي أدعه إذا وجدته فقال : إذا أرويت أهلك غبوقا من الليل فاجتنب ما حرم الله ).
ولقد أورد ابن كثير هذه الأحاديث في السياق نفسه وعزا أولها إلى الإمام أحمد وأورد بالإضافة إليها حديثا رواه إلى أبي داود جاء فيه :( إن ناقة ضلت لرجل فوجدها آخر فمرضت عنده. فقالت له امرأته : انحرها، فأبى فنفقت، فقالت له : اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها، فنأكله فقال : لا حتى أسأل رسول الله فأتاه، فسأله فقال : هل عندك غنى يغنيك ؟ قال : لا، قال : كلوها ). والأحاديث وإن لم ترد في الصحاح فإن فيها توافقا لروح الأحاديث فقال إن تناول المحرمات واجب إذا خاف المسلم على نفسه ولم يجد غيرها، وأورد حديثا أخرجه الإمام أحمد وابن حبان عن ابن عمر مرفوعا قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ). وحديثا آخر أخرجه الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبل عرفة ). والحديثان وإن لم يردا في الصحاح فإن ما فيهما متسق مع فكرة الرخصة القرآنية كما هو المتبادر. ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه الحكم وابن مردويه عن ابن عباس جاء فيه :( كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تعذرا فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو. وقرأ آية الأنعام التي نحن في صددها ). وهناك حديث رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه أيضا جاء فيه :( سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال : الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه )١.
وينطوي في الحديث حصر التحريم والتحليل في المأكولات في كتاب الله واعتبار ما سكت عن ذكره القرآن مباحا. غير أن هناك أحاديث عديدة تبدوا لأول وهلة أنها مناقضة للمبدأ الذي قرره هذا الحديث، وإخلال لنطاق التحريم الذي حددته الآية التي نحن في صددها.
منها حديث رواه أبو داود والترمذي عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله قال :( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن، عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا القطة إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه )٢. وحديث رواه الترمذي وابن ماجه جاء فيه :( سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الذئب فقال ويأكل الذئب أحد فيه خير )٣. وحديث رواه ابن ماجه جاء فيه :( قيل يا رسول الله ما تقول في الثعلب ؟ قال : ومن أكل الثعلب )٤. وحديث رواه الخمسة عن أبي ثعلبة :( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ). وحديث رواه مسلم وأبو داود عن ابن عباس قال :( نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطيور )٥. وحديث رواه الخمسة إلا البخاري عن جابر قال :( نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل الهر وعن أكل ثمنه )٦. وحديث رواه أبو داود وأحمد جاء فيه :( ذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم القنفذ، فقال خبيثة من الخبائث )٧. وحديث رواه أبو مسلم عن جابر قال :( نهانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خبير عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل )٨. وحديث رواه ابن ماجه والحاكم وصححه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال )٩. وحديث رواه الخمسة عن ابن أبي أوفى قال :( غزونا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبع غزوات أو ستا كنا نأكل معه الجراد )١٠. وحديث رواه الخمسة كذلك عن خالد بن الوليد جاء فيه :( إنه دخل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيت ميمونة، فأتى بضب محنوذ، فأهوى النبي يده إليه فقال بعض النسوة : أخبروا النبي بما يريد أن يأكل فقالوا : هو ضب يا رسول الله. فرفع يده فقلت : أحرام هو يا رسول الله ؟ قال : لا لكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد : فاجتررته فأكلته والنبي ينظر )١١. ومع ذلك فإن رشيد رضا أورد حديثا قال : إنه أخرجه أبو داود عن عبد الله بن شبل :( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل الضب ). وهذا الحديث لم يرد في التاج الذي جمع مؤلفه فيه أحاديث الخمسة البخاري ومسلم وأبو دا


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير