ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون١٥٠ ( الأنعام : الآية١٥٠ ).
قل هلم شركاءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا قل يا نبي الله لهؤلاء الذين حرموا السائبة والبحيرة والوصيلة والحام، وقالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ( الأنعام : الآية١٣٩ ) وقالوا هذه أنعام وحرث وحجر ( الأنعام : الآية ١٣٨ )أي : حرام. قل للمحرمين هذه الأشياء، الزاعمين أن الله أمرهم بتحريمها، كما صرح به في ( الأعراف ) في قوله : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ( الأعراف : الآية ٢٨ ) قل لهم يا نبي الله : هذا الذي ادعيتم على الله من أنه حرم هذا وأمركم بتحريمه هلم شهداءكم الذين يشهدون لكم على الله أنه حرم هذا.
و( هلم ) معناه : أحضروا وقربوا. وهذه الكلمة- كلمة( هلم ) –فيها خلاف، هل هي مفردة، أو مركبة ؟ لا يعنينا بحثه الآن. وهي فيها لغتان - :
لغة الحجازيين التي نزل بها القرآن : أن لفظة ( هلم ) اسم فعل لا فعل أمر، ولذا إذا خاطبوا الأنثى قالوا لها :" هلم يا فلانة ". ولم يقولوا : " هلمي " بياء المؤنثة. فيقول الحجازيون للذكر الواحد :" هلم " وللذكرين :" هلم ". وللذكور :" هلم ". وللإناث :" هلم " فهي اسم فعل. وهي لغة القرآن، لأن المخاطب هنا جماعة، والأصل لو مشى على لغة التميميين من النجديين لقال :" هلموا شهداءكم ".
أما لغة التميميين، وبعض القبائل النجديين : ف( هلم ) فعل أمر لا اسم فعل، لأنهم يقولون للجماعة :" هلموا " وللأثنين :" هلما " وللأنثى :" هلمي " فإذا قالوا لها :" هلمي " دخلتها ياء المؤنثة المخاطبة، وهي من علامات الأفعال، كما قال في الخلاصة :
( بتا فعلت، وأتت، ويا افعلي ) ***.................................................
فهي في لغة الحجازيين اسم فعل، وفي لغة التميميين وبعض القبائل النجديين فعل أمر. ويظهر الفرق في كونها اسم فعل، وبين كونها فعل أمر : أنها إن كانت فعل أمر اتصلت بها ضمائر المخاطبين، نحو( هلموا )للرجال و ( هلممن ) للنساء، و( هلما ) للاثنين، و( هلمي ) للواحدة. والقرآن جاء فيها على لغة الحجازيين، أنها اسم فعل لا فعل أمر.
وتأتي متعدية ولازمة، فمن إتيانها متعدية قوله هنا : هلم شهداءكم ( الأنعام : الآية ١٥٠ )أي : أحضروا شهداءكم وقربوهم. ومن إتيانها لازمة قوله في الأحزاب : والقائلين لأخوانهم هلم إلينا ( الأحزاب : الآية١٨ ) أي : اقربوا قريبا منا. ولم تكن هناك متعدية. والمعنى : أحضروا شهداءكم الذين يشهدون لكم أن الله حرم هذا الذي ادعيتم أنه حرام.
ثم قال لنبيه : فإن تجرؤوا على الشهادة الكاذبة الباطلة- شهادة الزور على الله- فلا تشهد معهم، لأنهم كلهم كذبة فجرة متعاضدون على الكذب، يصدق بعضهم بعضا في الكذب فلا تشهد معهم
ثم قال : ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم ان النبي لا يتبع أهواء الذين كذبوا بآيات الله. هذا أمر لا شك فيه، كقوله : ولا تطع منهم آثما أو كفورا ( الإنسان : الآية ٢٤ ). ومعلوم أنه لا يطيع آثما ولا كفورا، هذا معروف، فالله( جل وعلا ) يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة السيد لعبده، ومراد بخطابه- في أشياء لا تقع منه صلى الله عليه وسلم أبدا- ليشرع على لسانه لأمته، كما بيناه مرارا. ومن أمثال العرب :( إياك أعني واسمعي يا جارة ) معناها : إياك أعني، والمقصود عندي هي جارتك الأخرى. وهذا مثل معروف، وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أنه أصل هذا المثل من أبيات رجز لرجل من بني فزارة يسمى : سهل بن مالك الفزاري، نزل في بيت حارثة بن لأم الطائي المشهور فوجده غائبا، فأنزلته أخت حارثة وأكرمته، وأعجب بجمالها، فخاطب داية من داياتها لا اهمية فيها، لأنها من خدمها، وقال لهذه التي هي من الدايات والخدم قال لها :
يا أخت خير البدو والحضارة *** كيف ترين في فتى فزارة
أصبح يهوى حرة معطارة *** إياك أعني واسمعي يا جارة
ففهمت الطائية أنه يريد خطابها، فأجابته جوابها المعروف :-
إني أقول يا فتى فزارة *** لا أبتغي الزوج ولا الدعارة
ولا فراق أهل هذي الحارة *** فارحل إلى أهلك باستحارة
ومن هنا صار بيت الرجز هذا مثلا عند العرب ( إياك أعني واسمعي يا جارة ).
والمعنى : إنك تخاطب واحدا ومقصودك/ أن تفهم ذلك الآخر. فالله يخاطب النبي ومقصوده إسماع أمته، والتشريع لهم. والدليل القاطع على هذا : أن النبي صلى الله عليه وسلم مات أبوه وهو صغير، لأن أباه مات وهو حمل في بطن أمه، وأمه ماتت وهو صغير. ومعلوم أنهما وقت نزول سورة بني إسرائيل ماتا منذ سنين كثيرة والله يقول للنبي مخاطبا له ببر الوالدين : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ، ثم قال مخاطبا للرسول : إما يبلغن عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ( الإسراء : الآيتان٢٣-٢٤ )كل هذا في الرسول صلى الله عليه وسلم وأبواه قد ماتا من زمان، فدل على أن قوله : إما يبلغن عندك الكبر أي : يبلغ عندك الكبر أحد والديك فبرهما وقل لهما قولا كريما، أي : المراد خطابه ليشرع لأمته. ومن زعم من الناس أن هذا الخطاب- أي : قوله : إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما - أنه يخاطب به مطلق الإنسان المخاطب، وليس النبي، فهذا غلط محض، لأن كل هذه الخطابات للنبي صلى الله عليه وسلم إما يبلغن عندك الكبر وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ( الإسراء : الآية ٢٨ ) والدليل عليه أنه قال : ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ( الإسراء : الآية ٣٩ )، فدل أن الخطاب للموحى إليه لا إلى مطلق الواحد من الناس.
وآية الإسراء هذه نص صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بالخطاب ليس هو المراد به، بل المراد التشريع لأمته، لأنه صلى الله عليه وسلم هو المشرع لهم بأقواله وأفعاله. وهذا معنى قوله : ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ككفار قريش، الذين كذبوا بآيات الله، لا تتبع أهواءهم في الشرك، ولا في تحريم ما أحل الله.
والذين لا يؤمنون بالآخرة ظاهر العطف أنهما طائفتان، والتحقيق : أنهما طائفة واحدة، إلا أن المعروف في علم العربية : ان الشيء يعطف على نفسه بألفاظ مختلفة إذا كانت الصفات مختلفة. نزلوا تغاير الصفات منزلة تغاير الألفاظ، فعطفوه على نفسه نظرا إلى تغاير الصفات، لأن صفة التكذيب بآياتنا، وصفة عدم الإيمان بالآخرة متغايرتان. فصار الموصوف كأنه متغاير لتغاير الصفات. ومن أمثلة هذا في كلام العرب قول الشاعر :
إلى السيد القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم
وهو واحد. ومن أمثلته الواضحة في القرآن –غير هذا الموضع- قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى ١ الذي خلق فسوى٢والذي قدر فهدى٣ والذي أخرج المرعى٤ ( الأعلى : الآيتان ١-٤ ) وهو واحد( جل وعلا ). وإنما عطف بعضها على بعض لتغاير الصفات، وهذا هو التحقيق، أنهما طائفة واحدة، تغايرت فعطفت على نفسها نظرا لتغاير الصفات. كما قررنا.
والأهواء : جمع( هوى، هوى ) بفتحتين، وألفه مبدلة من( ياء ) لأن أصله( هوي ) على وزن( فعل ) والياء المتطرفة بعد ألف زائدة يجوز إبدالها همزة، كما هو معروف في فن التصريف.
والهوى : ميل النفس. وأكثر ما يستعمل في ميلها إلى ما لا ينبغي.
وهو المراد هنا. أي : لا تتبع مهوياتهم الزائغة من الإشراك بالله، وتحريم ماأحل الله، وجعل بعض الأرزاق التي خلقها الله جعلها للأصنام. لا تتبع مهوياتهم في شيء من ذلك.
ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة فهم جامعون بين التكذيب بالقرآن والتكذيب بالبعث والآخرة- عياذا بالله- وقد صرح ( جل وعلا ) بأن المكذب بالبعث أنه من أهل النار الذين يجرون بالسلاسل في أعناقهم في غير ما آية، من أصرحها آية الرعد لأن الله ( جل وعلا ) لما بين في سورة الرعد- في أولها- عظمته، وبراهين كماله، وقدرته، وأنه المعبود وحده، وأبطل فيها أدلة الطبائعيين إبطالا كليا لا شبهة فيه، حيث قال في السورة – في أولها- : آلمر تلك آيات الكتاب والذي انزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون١ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون٢ وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون٣ وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل - وفي القراءة الأخرى- : وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان -وفي الأخرى- : صنوان وغير صنوان تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل - وفي الأخرى- : يسقى بماء واحد ويفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون أتبع هذا بقوله : وإن تعجب فعجب قولهم - في البعث- : إءذا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد هذا تعجب منكري البعث من البعث الذي هو خلق جديد. ثم قال مخبرا عن هؤلاء الذين شكوا في البعث وأنكروه : أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( الرعد : الآيات ١-٥ ) والعياذ بالله. فهؤلاء جمعوا بين التكذيب بالقرآن والتكذيب بالبعث. ثم قال جل وعلا : وهم بربهم يعدلون العرب تقول :" عدل به، يعدل به ". إذا جعل الشيء عديلا ونظيرا له يماثله ويعادله. وهم يعدلون بالله أي : يجعلون له العديل، والنظير، والمثيل حيث قالوا : هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ( الأنعام : الآية ١٣٦ ) فجعلوا له النظراء، والعديلين بسبب عبادتهم له مثله، وجعلهم له مثل ما جعلوا. والعرب تقول :" أعدلت بفلان فلانا " ؟ إذا جعلته عدلا ونظيرا له. وهو مشهور في كلام العرب، ومنه قول جرير :
أثعلبة الفوارس أم رياحا *** عدلت بهم طهية والخشابا
أي : جعلتهم نظراء وأمثالا لهم وليسوا كذلك.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير