فعلى العاقل ان يكون ازهد الناس فى الدنيا ويتجرد عن الأسباب كالانبياء وكمل الأولياء وعن بعضهم قال رأيت فقيرا ورد على بئر ماء فى البادية فادلى ركوته فيها فانقطع حبله ووقعت الركوة فيها فاقام زمانا وقال وعزتك لا أبرح إلا بركوتي او تأذن لى فى الانصراف عنها قال فرأيت ظبية عطشانة جاءت الى البئر ونظرت فيها وفاض الماء وطفح على البئر وإذا بركوته على فم البئر فاخذها وبكى وقال الهى ما كان لى عندك محل ظبية فهتف به هاتف يا مسكين جئت بالركوة والحبل وجاءت الظبية ذاهبة عن الأسباب لتوكلها علينا ففى هذه الحكاية ما يدل على كمال الانقطاع عن غير الله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا اى على اليهود خاصة لا على من عداهم من الأولين والآخرين حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ كل ما له إصبع سواء كان ما بين أصابعه منفرجا كانواع السباع والكلاب والسنانير أو لم يكن منفرجا كالابل والنعام والإوز والبط وكان بعض ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا عم التحريم وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ متعلق بقوله حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما لا لحومهما فانها باقية على الحل. والشحوم الثروب وشحوم الكليتين إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما استثناء من الشحوم اى الا ما اشتملت على الظهور والجنوب من شحم الكتفين الى الوركين من داخل وخارج أَوِ الْحَوايا عطف على ظهورهما اى او الا الذي حملته الأمعاء واشتمل عليها. جمع الحوية كما فى الصحاح وهى المباعر والمصارين أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ عطف على ما حملت وهو شحم الالية واختلاطه بالعظم اتصاله بالعصص وهو عجب الذنب اى عظمه وأصله ويقال انه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ذلِكَ الجزاء جَزَيْناهُمْ اى اليهود بِبَغْيِهِمْ اى بسبب ظلمهم وهو قتلهم الأنبياء بغير حق وأخذهم الربا وأكلهم اموال الناس بالباطل وكانوا كلما أتوا بمعصية عوقبوا بتحريم شىء مما أحل لهم وقد أنكروا ذلك وادعوا انها لم تزل محرمة على الأمم الماضية فرد عليهم ذلك وأكد بقوله تعالى وَإِنَّا لَصادِقُونَ اى فى الاخبار عن كل شىء لا سيما فى الاخبار عن التحريم المذكور وفى الاخبار عن بغيهم فَإِنْ كَذَّبُوكَ اى اليهود والمشركون فيما فصل من احكام التحليل والتحريم فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ لا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فانه امهال لا إهمال وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عذابه عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ حين ينزل سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ عدم اشراكنا ما أَشْرَكْنا نحن وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ أرادوا به ان ما فعلوه حق مرضى عند الله تعالى كَذلِكَ اى كهذا التكذيب وهو قولهم انا انما أشركنا وحرمنا لكون ذلك مشروعا مرضيا عند الله تعالى وانك كاذب فيما قلت من ان الله تعالى منع من الشرك ولم يحرم ما حرمتموه كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اى متقدموهم الرسل حَتَّى ذاقُوا غاية لامتداد التكذيب بَأْسَنا الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ زائدة عِلْمٍ من امر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم فَتُخْرِجُوهُ لَنا فتظهروه لنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ اى ما تتبعون فيما أنتم عليه من الشرك والتحريم الا الظن الباطل من غير علم ويقين وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ تكذبون على الله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ الفاء جواب شرط محذوف
صفحة رقم 115
اى وإذا قد ظهر ان لا حجة لكم فلله الحجة البالغة اى البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والثبات او بلغ بها صاحبها صحة دعواه والمراد بها الكتاب والرسول والبيان فَلَوْ شاءَ هدايتكم جميعا لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن شاء هداية قوم لصرف اختيارهم الى سلوك طريق الحق وضلال آخرين لصرف هممهم الى خلاف ذلك قُلْ هَلُمَّ اسم فعل اى احضروا شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم ومذهبهم ولا من يشهد بصحة دعواهم كائنا من كان ولذلك قيد الشهداء بالاضافة إليهم وانما أمروا باستحضارهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وانه لا متمسك لهم كمن يقلدهم فَإِنْ شَهِدُوا بعد ما حضروا بان الله تعالى حرم هذا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ اى فلا تصدقهم فانه كذب محض وبين لهم فساده وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ كعبدة الأوثان والموصول الثاني عطف على الموصول الاول بطريق عطف الصفة على الصفة مع اتخاذ الموصوف فان من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ اى يجعلون له عديلا عطف على لا يؤمنون. والمعنى لا تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله وبين الكفر بالآخرة وبين الإشراك به سبحانه لكن لا على ان يكون مدار النهى المذكور بل على ان أولئك جامعون لها متصفون بكلها واعلم ان الله تعالى أحل الطيبات ورد ما كان اهل الجاهلية يفعلونه من تحريم من عند أنفسهم لان الدين يبتنى على الوحى لا على الهوى وحرم الخبائث كالخمر والميتة والدم والخنزير وغير ذلك اى تناولها وبيعها لان ما يحرم تناوله يحرم بيعه وأكل ثمنه بخلاف ما إذا كان الانتفاع بغير ذلك كشحوم الميتة فانه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فان ذلك ليس بحرام وما حرمه الله تعالى اما ان يكون بلاء ونقمة كما فعل اليهود وجزاء على أنفسهم واما ان يكون رحمة ومنة لعلمه ان فيه ضررا نفسانيا او روحانيا فالنفسانى كضرر السم وأمثاله والروحاني كضرر لحوم السباع والمؤذيات وأمثالها فانه بتعدي أخلاقها تغير الأخلاق الروحانية كما قال عليه السلام (الرضاع يغير الطباع) ومن ثم لما دخل الشيخ ابو محمد الجويني بيته ووجد ابنه الامام أبا المعالي يرتضع ثدى غير امه اختطفه منها ثم نكس رأسه ومسح بطنه وادخل إصبعه فى فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن قائلا يسهل علىّ موته ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير امه ثم لما كبر الامام كان إذا حصلت له كبوة فى المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة فعلم ان من ارتضع امرأة فالغالب عليه أخلاقهما من خير وشر وكذا لحوم الحيوانات لها تأثير عظيم وفى الحديث (عليكم بالبان البقر وسمنانها وإياكم ولحومها فان ألبانها وسمنانها دواء وشفاء ولحومها داء) وقد صح ان النبي عليه السلام ضحى عن نسائه بالبقر قال الحليمي هذا ليبس الحجاز ويبوسة لحم البقر ورطوبة لبنها وسمنها فكأنه يرى اختصاصه ذلك به وهذا التأويل المستحسن والا فالنبى عليه السلام لا يتقرب الى الله تعالى بالداء فهو انما قال ذلك فى البقر لتلك اليبوسة. وجواب آخر انه عليه السلام ضحى بالبقر لبيان الجواز او لعدم تيسر غيره كذا فى المقاصد الحسنة. ومن فوائد سمن البقر انه لو شرب منه على الريق خمسين درهما
صفحة رقم 116روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء