الخلق (١) لو فعله لآمنوا، فإذا كان إيمانهم إنما يحصل بالإلجاء ثم لم يفعل فقد أراد شركهم (٢).
١٥٠ - قوله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الآية، قال الليث: (هَلُم كلمة دعوة إلى شيء، الواحد والاثنان والجميع والذكر والأنثى فيه سواء، إلا في لغة بني سعد (٣) فإنهم يحملونه على تصريف الفعل يقولون: هَلُمَّا هَلُمُّوا) (٤)، ونحو ذلك قال ابن السكيت فيما أخبرناه أبو الفضل العروضي، [أخبرنا] (٥) الأزهري، عن المنذري، عن الحَرَّاني، عنه يقول: (هَلُمَّ يا رجل، وكذلك للاثنين والجميع والمؤنت مُوَحَّد، قال الله عز وجل: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ [الأنعام: ١٥٠] وقال عز وجل: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ [الأحزاب: ١٨] ولغة أخرى يقال للاثنين: هَلُمَّا، وللجميعِ: هَلُمُّوا، وللمرأة: هَلُمِّي، وللاثنين: هلُمَّا، وللجميع: هَلُمْنَ، والأول أصح وإذا قال لك: هَلُمَّ إلى كذا، قلت: [إلاَمَ أَهَلُمُّ، وإذا قال لك: هَلمُّ كذا قلت: (٦)] لا أَهَلُمُّه مفتوحة الألف والهاء، أي: لا أعطيكه) (٧) انتهى كلامه.
(٢) انظر: "تفسير البغوي" ٣/ ٢٠٢، وابن عطية ٥/ ٣٩٠، والرازي ١٣/ ٣٢٥، ٣٢٦.
(٣) بنو سعد: هم بنو سعد العشيرة، حي من كهلان من القحطانية، وهم بنو سعد العَشيرة ابن مالك، وهو مذحج بن أَدد بن يزيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان. انظر: "الاشتقاق" ص ٣٩٧، و"نهاية الأرب" ص ٢٦٨.
(٤) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٧٨٨، وانظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٠٨.
(٥) في (أ): (انباء).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٧) "إصلاح المنطق" ص ٢٩٠، وبعضه في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٧٨٨، وانظر: "تهذيب إصلاح المنطق" ٢/ ١٢٠ - ١٢١.
قال النحويون: (١) (هلم على اللغة الأولى لا تصرف له وهو بمنزلة نعم وبئس، وإذا زال التصرف لم يبن عليه في الجواب إلا أهلم (٢) وأهلم فإن هذا تصرف، وإنما تصرف هذا إلى اللغة الثانية المجراة (٣) مجرى الأفعال المتصرفة في التثنية والجمع). فأما أصل هذه الكلمة وإعرابها، فقال الخليل وسيبويه: (إنها هاء ضمت إليها لُمّ، ومعنى لمّ، أي: جمع، ويكون معنى: ادنُ، يقال: لفلان لمه، أي: دنو، ثم جعلتا كالكلمة الواحدة) (٤).
وقال الفراء: (أصلها هل أُمَّ، أرادوا بهل: أقبل، وأُم، أي: اقصد) (٥)، وهذا قول ابن دريد أيضًا (٦).
وقال أبو إسحاق: (وفتحت هلم (٧)؛ لأنها مدغمة كما فتحت رُدَّ في الأمر لالتقاء الساكنين، ولا يجوز فيها هَلُمَّ بالضم كما يجوز في رُد بالضم (٨) لأنها لا تتصرف).
(٢) في (أ): (في الجواب لا أهلم أو أهلم). وقد ضبط إلا أهلم بفتح الهاء، وضم اللام وأهَلِم: بكسر اللام.
(٣) في (ش): (والمجراة)، بالواو.
(٤) انظر: "الكتاب" ٣/ ٥٢٩ و٣/ ٣٣٢ و١/ ٢٤٦.
(٥) "معاني الفراء" ١/ ٢٠٣. وانظر: "الصاحبي" ص ٢٧٩.
(٦) "جمهرة اللغة" ٢/ ٩٨٨.
(٧) في (ش): (هل)، وهو تحريف.
(٨) في "معاني الزجاج" ٢/ ٣٠٣: (كما يجوز في رد: الفتح والضم والكسر؛ لأنها لا تتصرف) ا. هـ، وانظر: "إعراب النحاس" ٢/ ١٠٥.
قال أبو علي الفارسي: (اعلم أن في قولنا: هلم، لغتين، إحداهما: وهو قول أهل الحجاز ولغة التنزيل: أن تكون في جميع الأحوال للواحد والواحدة والاثنين والثنتين، والجماعة من الرجال والنساء على لفظ واحد، لا يظهر فيه علامة تثنية ولا جمع، فيكون بمنزلة رُوَيْدَ وصَهْ ومَهْ ونحو ذلك من الأسماء التي سميت بها الأفعال، وتستعمل للواحد والجميع والتأنيث والتذكير على صورة واحدة، والأخرى: أن تكون بمنزلة رُدَّ في ظهور علامات الفاعلين على حسب ما يظهر في رُدّ وسائر ما أشبهها من الأفعال، فأما الهاء اللاحق بها أولاً فهي من هَاء التي للتنبيه لحقت أولًا؛ لأن لفظ الأمر قد يحتاج له إلى استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر، فهو لذلك (١) يقرب من المنادى، ومن ثم دخل حرف التنبيه في قوله: (ألا (٢) يسجدوا) [النمل: ٢٥]، ألا ترى أنه أمر كما أن [هذا أمر] (٣) إلا أنه كثر الاستعمال مع هاء، فغير بالحذف؛ لكثرة الاستعمال كأشياء [تغير] (٤) لذلك بالحذف نحو: لم أُبَلْ (٥) ولا أَدْرِ ولم يَكْ، وما أشبه ذلك مما يُغير للكثرة، ومما حسن حذف الألف من ها في هلم أنها في موضع كان يجب
(٢) جاء في النسخ (أَلَا يَا اسْجُدُوا)، وقد قرأ الكسائي بتخفيف اللام ووقف (أَلاَ يَا) ثم ابتدأ (اسْجُدُوا) وقرأ الباقون: بتشديد اللام (ألَّا يَسْجُدُوا). انظر: "السبعة" ص ٤٨٠، و"المبسوط" ص ٢٧٩، والاستشهاد هنا على تخفيف (ألا)، وأبو علي الفارسي يعتبر (يا) لمجرد التنبيه، انظر: "الحجة" لأبي علي ٥/ ٣٨٣، و"كتاب الشعر" ١/ ٦٦.
(٣) في (أ): (هذا الأمر)، وهو تحريف.
(٤) في النسخ (يغير) بالياء، والأصح بالتاء كما في "الإغفال" ص ٧١٣.
(٥) انظر "اللسان" ١/ ٩
أن يسقط في الأصل لالتقاء الساكنين، ألا ترىَ أن فاء الفعل (١) كانت في موضع سكون قبل الإدغام، وقد نجد الحركات التي تُلقى على الحرف لحرف غيره لا يخرج الحرف به عن أن يكون في نية سكون، يدلك على ذلك تركهم قلب الياء في جيل، فحسن الحذف لسكون الألف، [ولأن] (٢) الفاء كأنها ساكنة إذ حركتها لغيرها كما كانت الياء في جيلٍ كأنها ساكنة، ولولا ذلك لوجب الإعلال والقلب فمن حيث لم يجب القلب حسن الحذف في الألف من هلم.
فأما ما حُكي عن الفراء أنه قال في هلم: أن أصله هَلْ أُمّ، فالدليل على فساد هذا القول وفَسالته أن هل لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بمعنى: قد، وهذا يدخل في الخبر، وإما أن يكون بمعنى: الاستفهام، وليس لواحد من الحرفين متعلق بهلم ولا له مدخل (٣)، ألا ترى أنه يراد بها الأمر دون غيره، فلا وجه لها هنا، ألا ترى أنه لا يكون هل أضرب وأنت تأمر، وأيضاً فإن أمّ بعد هل لا يخلو من أن يكون مثله رُدَّ ومُدَّ وأنت تأمر، أو يكون مثل فُعِلَ إذا أخبرت، فلا يجوز على قوله أن يكون التي للأمر من حيث لا تقول: هل اضْرِبْ، ولا هل اقْتُلْ، ولا يجوز أن يكون بمعنى فُعِلَ؛ لأن ذلك للخبر، والخبر لا وجه له [هنا] (٤) لأن المراد [الأمر]. وهذا
(٢) في (ش): (لأن).
(٣) قال أبو علي في "العضديات" ص ٢٢٣: (لا يجوز أن يكون للاستفهام لاستحالة دخول الاستفهام على الأمر، ولا يجوز أيضًا أن يكون هل التي بمعنى قد التي تدخل على الخبر؛ لأن ذلك لا تدخل على الأمر، لا يجوز قد أذهب) اهـ.
(٤) في (ش): (هاهنا).
قول فاسد جدًّا لا يجب أن يُعرّج عليه، والقول فيه ما قدمنا ذكره.
وأما قول أبي إسحاق: فتحت؛ لأنها مدغمة كما فتحت رُدّ في الأمر لالتقاء الساكنين، فليس يخلو الفتح فيه من أن يكون لالتقاء الساكنين كما قال، أو من أن (١) يكون؛ لأنه بُني مع الحرف المضموم إليه على الفتح كخمسة (٢)، فلو كان الفتح لالتقاء الساكنين كما قال لجاز أن يحرك بالكسر أيضًا لالتقاء الساكنين، وإذا لقيته ألف (٣) ولام مثل غُض الطرف فلما لم يحركه لا التميميون الذين يجمعون ويثنون ولا الحجازيون الذين يفردون ولا يغيرون دل ذلك من أمرها على أن الجميع أجمعوا فيها على البناء على فتحها وحركوها لذلك، ولم يكن حركتها عند الجميع لالتقاء الساكنين، ألا ترى أن ما كان حركته لالتقاء الساكنين من هذا الضرب لا يمتنع اختلاف الحركات فيه [وأن ذلك] (٤) مطرد في جميعه (٥) فيخصص هذا من بين ذلك كله دلالة على أن حركته لما قلنا دون ما ذهب إليه، وهو مذهب سيبويه فإنه (٦) قال: لا يكسر هلم البتة) (٧).
(٢) أي فتحت من أجل التركيب كما فتحت خمسة عشر وبابها. انظر: "التبيان" ١/ ٣٦٣.
(٣) في (ش): (الألف)، وفي "الإغفال" ص ٧٢٠: (إذا لقيته الألف واللام) ا. هـ.
(٤) لفظ: (وأن ذلك) ساقط من (أ)، وفي "الإغفال" ص ٧٢١: (فإن ذلك مطرد).
(٥) كذا في "النسخ"، وفي "الإغفال" ص ٧٢١ (جمعه)، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود (جميعه).
(٦) "الكتاب" ٣/ ٥٣٤.
(٧) هذا ملخص ما ذكره أبو علي في "الإغفال" ص ٧١١ - ٧٢١، ونحوه ذكر في "المسائل العضديات" ص ٢٢١، وانظر: "الدر المصون" ٥/ ٢١١ - ٢١٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي