قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٦١ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣ قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ١٦٤ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ١٦٥
قد ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآيات الكريمة الجامعة فكانت خير الخواتيم في براعة المقطع. ذلك بأننا بينا في مواضع من تفسيرها أنها أجمع السور لأصول الدين وإقامة الحجج عليها ودفع الشبه عنها، ولإبطال عقائد الشرك وتقاليده وخرافات أهله، وهذه الخاتمة مناسبة لجملة السورة في أسلوبها ومعانيها. وذلك بأنه كان مما امتازت به السورة كثرة بدء الآيات فيها بخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بكلمة " قل " لأنها لتبليغ الدعوة، كما كثر فيها حكاية أقوال أهل الشرك والكفر مبدوءة بكلمة ( وقالوا ) مع التعقيب عليها بكشف الشبهة وإقامة الحجة ترى بعد هذا وذاك في آخر العشر الأول وأول العشر الثاني منها فجاءت هذه الخاتمة بالأمر الأخير له صلى الله عليه وسلم بأنه يقول لهم القول الجامع لجملة ما قبله، وهو أن ما فصل في السورة هو صراط الله المستقيم ودينه القيم الذي هو ملة إبراهيم، دون ما يدعيه العرب المشركون. وأهل الكتاب المحرفون، وأنه عليه صلوات الله وسلامه إنما يدعو إليه وهو معتصم به قولا وعملا وإيمانا وتسليما على أكمل وجهه، فهو أول المسلمين، وأخلص الموحدين، وأخشع العابدين، بما جاء به من تجديد الدين وإكماله، بعد تحريفه وانحراف جميع الأمم عن صراطه وأن توحيد الألوهية الذي يخالفنا فيه المشركون مبني على توحيد الربوبية الذي هم به مؤمنون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ( يوسف ١٠٦ ) وأن الجزاء عند الله على الأعمال مبني على عدم انتفاع أحد أو مؤاخذته بعمل غيره وأن المرجع إلى الله تعالى وحده، وأن له تعالى سننا في استخلاف الأمم واختبارها بالنعم والنقم وأنه هو الذي يتولى عقاب المسيئين والرحمة للمحسنين وكل ذلك مما يهدم أساس الشرك الذي هو الاتكال على الوسطاء بين الله والناس في غفران ذنوبهم وقضاء حاجهم.
لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي لا شريك له تعالى في ربوبيته، فيستحق أن يكون له شركة ما في عبادته، بأن يتوجه إليه معه لأجل التأثير في إرادته، أو تذبح له النسائك لأجل شفاعته عنده من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ( البقرة ٢٥٥ ) ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ( الأنبياء ٢٨ ) وبذلك التجريد في التوحيد والبراءة من الشرك الجلي والخفي، أمرني ربي، ولا يعبد الرب إلا بما أمر، دون أهواء الأنفس ونظريات العقول وتقاليد البشر، وأنا أول المسلمين أي على الإطلاق في علو الدرجة والرتبة، وأولهم في الزمن بالنسبة إلى هذه الأمة وبيان أنه صلى الله عليه وسلم أكمل المذعنين لأمر ربه ونهيه، بحسب ما أعطاه من الدرجات العلى التي فضله بها على جميع رسله، كما أنه أول من لقنه ربه الإسلام، في هذه الأمة الشاملة دعوتها لجميع الأنام، والموصوفة بعد إجابة الدعوة بأنها خير أمة أخرجت للناس، وقد يستلزم عموم بعثته وخيرية أمته وأوليته صلى الله عليه وسلم وأولويته بالتقدم على الرسل الذين بعثوا قبله أيضا، فيكون أولا في كل من مزاياه الخاصة ورسالته العامة المتعدية. وهذا التفسير للأول مما فتحه الله تعالى علي الآن وهو الفتاح العليم.
تفسير المنار
رشيد رضا