والحياة هبة الله، وإياك أن تصرف قدرة الحياة ومظاهر الحياة في غير ما يرضي الله. فينبغي أن يكون حياتك لله لا لشهوتك، ومماتك لله لا لورثتك، وتذكر ذلك جيدا لأن الحق
يقول بعد ذلك : لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣ .
وهذا القول يدل على أن الخلق قد يجعل لله شريكا في العبادة فيجعل صلاته ظاهرية رياء، ومناسكه ظاهرية رياء، وحياته يجعلها لغير واهب الحياة. ويعمل حركاته كلها لغير واهب الحياة، ويجعل مماته للورثة وللذرية ؛ لذلك عليك أن تتذكر أن الله لا شريك له. .. وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣ [ سورة الأنعام ].
وهذا أمر من الله لرسوله، وكل أمر للرسول هو أمر لكل مؤمن برسالته صلى الله عليه وسلم، والأوامر التي صدرت عن الرب هي لصالحك أنت. فسبحان أهل لأن يُحب، وكل عبادة له فيها الخير والنفع لنا، وأنا لا أدعيه لنفسي بل هو عطاء من ربكم وربي الذي أمر. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى حينما رأى أن رسوله صلى الله عليه وسلم مشغول بأمر أمته أبلغنا : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( من الآية ١٢٨ سورة التوبة ).
وفي كل شيء كان صلى الله عليه وسلم يقول : أمّتي أمتي أمتّي أمتي، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يطمئن رسوله على محبوبية أمته فقال له : " إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك }١. والحديث بتمامه كالآتي : عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي الآية.
وقال عيسى عليه السلام : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
فرفع يديه وقال : اللهم أمتي أمّتي وبكى، فقال الله عز وجل : يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله وأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال عز وجل : " يا جبريل اذهب إلى محمد فقل : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " ٢. ونزل قوله الحق : ولسوف يعطيك ربك فترضى ٥ ( سورة الضحى ).
روي عن علي رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : " إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار " ٣ويذيل الحق الآية بقوله : وأنا أول المسلمين . وحين يقول صلى الله عليه وسلم : وأنا أول المسلمين في أمته فهذا قول صحيح صادق لأنه قبل أن يأمر غيره بالإسلام آمن هو بالإسلام، وكل رسول أول المسلمين في أمته، لكن هناك أناس يقولون : لنأخذ العبارة هكذا، ونقول : إن الرسول صلى الله عليه وسلم له منزلة بين رسل الله أجمعين تتجلى في أنه اخذ العهد على غيره، ولم يأخذ العهد عليه احد، فان كان أول المسلمين في أمته، فهو أول المسلمين بين الرسل أيضا، وإن لم تأخذها حدثا خذها للمكانة. وأضرب هذا المثل : هب أن كلية الحقوق أنشئت مثلا سنة كذا وعشرين، لكل سنة لها أول من التلاميذ ثم جاء واحد وحصل على ١٠٠% هذا العام فنقول عنه : إنه الأول على كلية الحقوق من يوم أن أنشئت.
٢ رواه مسلم في كتاب الإيمان..
٣ غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري..
تفسير الشعراوي
الشعراوي