إذن فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتحم العالم بهذا الدين، بل عرف نبأ مقدمه وبعثه وصورته ونعته كل من له صلة بكتاب من كتب السماء. إنهم يعلمون أنه الرسول الخاتم الذي ختمت به أخبار السماء إلى الأرض.
ولذلك يقول الحق سبحانه :
الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ( ٢٠ ) .
إذن فرسول الله معلوم مقدما من أهل الكتاب كمعرفتهم لأبنائهم، ولكن بعضا منهم فضل السلطة الزمنية على الإيمان برسول الله فخسروا أنفسهم ؛ لأن الخسارة – كما نعرف – هي ضياع لرأس المال أو نقصانه. وهم خسروا أنفسهم لأن تلك النفوس كان يجب أن تحرص على مصلحة الأرواح التي جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإصلاحها. إنهم بذلك قد منعوا الخير عن أنفسهم بتفضيل سلطان الدنيا الزائل على الإيمان بالله، وفي ذلك خيبة كبرى.
الله يعلمنا أن الإيمان إنما هو كسب للنفس، فإياك أيها المؤمن أن تظن أن قولك :( لا إله إلا الله ) هو سند لعرش الله. لا، إنها سند لك أنت ؛ لأنه لا إله إلا الله هو خلق الكون والخلق بصفات الكمال والقدرة والعلم والحكمة، واعتراف. الخلق بألوهية الله وحده لا تزيد من كمال الله ولكنها تفيد العباد الذين آمنوا فيحسنون استقبال الأمر بعمارة الكون، لتسير حركة الحياة في ضوء منهج الله فينسجموا مع الكون كله المسبح لله.
وحين يقول الحق :
الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ( ٢٠ ) ( سورة الأنعام ).
فهو يخبر أهل مكة أن الصيحة الإيمانية التي صاح بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آذانهم لم تكن مفاجئة للكون، ولكنها صيحة بشر بها على لسان كل رسول، وإذا كان أهل مكة قد بعدت صلتهم بالرسل والأنبياء وكانوا على فترة من الرسل، فهم بجوارهم لأهل كتاب في المدينة يعلمون هذه الحقيقة التي جاء بها رسلهم مؤكدين للعهد الذي أخذه الله عليهم ؛ لأننا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق واستعمرهم في الأرض أرادهم موهوبين من قدرته سبحانه قدرة، ومن غناه سبحانه غنى، ومن علمه الكامل علما، ومن حكمته المطلقة حكمة، ومن رحمته الكاملة رحمة، ومن قاهرية الله قهرا ؛ لأن الكون لا يمكن أن يستقيم إلا إن وجدت فيه هذه المتكاملات وإن كانت متناقضة ؛ لأن لكل صفة مجالها الذي تعمل فيه.
وأضرت هذا المثل – ولله المثل الأعلى – نجد الإنسان منا حين يرحم ولده دائما يفسد الولد وإن لم يقس عليه مرة فأبوته ناقصة، إذن، فلا يمكن أن يكون المهيمن على الخلق رحيما فقط، وإنما يجب أن يكون قاهرا أيضا ؛ لأن الموقف قد يتطلب القهر. ولا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يطبع خلقه على خلق واحد، ولكنه سبحانه يريد أن يجعلهم ينفعلون للموقف المختلفة ؛ فالموقف الذي يتطلب رحمة، يكونون فيه رحماء، والموقف الذي يتطلب قسوة وشدة يكونون فيه قساة، ولذلك يقول الحق في المؤمنين :
محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ( من الآية ٢٩ سورة الفتح ).
إن الحق يحدثنا عن خلق المؤمنين. إنه سبحانه لم يطبعهم على الشدة ؛ لأن المواقف قد تتطلب رحمة، ولكن الشدة مطلوبة لموجهة أهل الباطل. ولم يطبعهم الحق على اللين، لكن اللين مطلوب فيما بينهم ؛ لأن كلا منهم يرجو رحمة الله وفضله ؛ ففي الموقف الذي يتطلب رحمة ؛ هم رحماء. وفي الموقف الذي يتطلب شدة هم أشداء، ولذلك يقول الحق سبحانه أيضا عن المؤمنين :
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ( من الآية ٥٤ سورة المائدة )
ولم يجعل الحق المؤمن ذليلا على إطلاقه، ولا عزيزا على إطلاقه، ولكنه جعله ذليلا على أخيه المؤمن، لين الجانب رحب الأخلاق. وجعله عزيزا على الكافرين المتأبين على الله.
إذن، فسبحانه يريد من خلقه أن يكونوا على خلق الحق سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه عمار بن ياسر رضي الله عنه :( حسن الخلق خلق الله الأعظم )١ وروي :( تخلقوا بأخلاق الله ).
إن لله سبحانه وتعالى قدرة حكيمة، فخذوا أيها المؤمنون قدرته واستعملوها بحكمة، ولله علم فحاولوا أن تكونوا عالمين، ولله رحمة فحاولوا أن تكونوا رحماء، والله جبار فإذا تطلب الموقف منكم أن تكونوا جبارين فافعلوا، لأن سياسة الأرض وسياسة المجتمع قد لا تصلح إلا بهذا.
وما دام الحق قد أراد من الخلق أن يعمروا هذا الكون فلا بد أن يضمن لهم منهجا سليما يرتكز على ( افعل ) ولا ( تفعل )، فإن نحن أخذنا منهج الله فنحن نأخذ ما يمكن أن نسميه بالعرف الحاضر :( قانون الصيانة ) فلنفعل ما قال الله افعلوا، ولنترك ما قال الله في شأنه لا تفعلوا حتى تؤدي الآلة الإنسانية مهمتها كما يريد الله لها أن تكون.
إن الفساد إنما ينشأ من أنك أيها الإنسان تنقل الأعمال من نطاق ( افعل ) إلى نطاق ( لا تفعل )، والأعمال التي يجعلها الله في نطاق ( لا تفعل ) تجعلها أنت في نطاق ( افعل ). فإن طلب الله أن نقيم الصلاة ب ( افعل ) فكيف نجعلها في نطاق ( لا تفعل ) بعد الصلاة ؟، وإن طلب الله منا ألا نشرب الخمر فكيف نشربها إذن ؟.
إن الخلل الإيماني الذي يحدث في الكون إنما ينشأ من نقل متعلقات ( افعل ) إلى ( لا تفعل )، ومن نقل متعلقات ( لا تفعل ) إلى ( افعل )، أما ما لم يرد فيه ( افعل ) و ( لا فعل ) فقد ترك الله لاختيارك إباحة أن تفعله أو لا تفعله، لأن الكون لا يفسد بشيء منها.
وإذا نظرت إلى منهج الله في ( افعل ) و ( لا تفعل ) فأنت تجد أن الحق سبحانه لم يقض على حريتك ولم يقض على اختيارك، إنما ضبطك ضبطا محكما فيما ينشأ فيه فساد الكون، أما الذي لا ينشأ منه فساد فإن شئت فافعله وإن شئت فاتركه. وزود الحق كل البشر بهذا المنهج من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة. وأخذ سبحانه على نفسه الوعد بعدم تعذيب أمة لم يبعث لها رسولا، ولذلك توالى الموكب الرسالي. لماذا ؟ لأن الغفلة تتمكن من الإنسان ؛ فقد يتناسى الإنسان مرة الشيء الذي يحد حركته ويتكرر التناسي إلى أن يصير نسيانا، فيشاء الحق أن يرسل رسولا لكل فترة لينبه إلى قانون صيانة الإنسان، إلى أن جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمن الله أمة محمد أن تكون هي المبلغة بمنهج الله إلى أن تقوم الساعة. ولذلك أخذ سبحانه من النبيين ميثاقا للبلاغ عن رسالة النبي الخاتم :
وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرا قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ( ٨١ ) ( سورة آل عمران ).
إذن فقد أخذ الله العهد على كل نبي أن يبلغ قومه أن يؤمنوا برسالة الرسول الذي توافق دعوته دعوتهم، وأخذ الحق الإقرار من كل نبي على ذلك، وشهد الأنبياء على أنفسهم وشهد الله عليهم، وبلغوا ذلك إلى أقوامهم. إذن فنصرة النبي الخاتم موجودة في كل رسالة سابقة على الإسلام، وكان على كل رسول أن يعطي إيضاحا بذلك العهد لقومه، وأن يأخذ عليهم العهد بنصرة الرسول القادم إليهم، ويبلغهم أن من تمام الإيمان أن يؤيدوا ذلك الرسول عن هم عاصروه.
ويخصص الحق هنا أهل الكتاب الذين نزلت إليهم التوراة والإنجيل وهما أصحاب الديانتين العظمتين اللتين سبقتا الإسلام : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أي أنهم يعرفون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالبشارة به، وبالإخبار عنه، وبالنعت لشكله وصورته، فإذا كان كفار قريش على فترة من الرسل فليسألوا أهل الكتاب. وقد سمع الأوس والخزرج من أهل الكتاب أن هناك نبيا قادما سيؤمنون به ويتبعونه ويقتلونه به العرب قتل عاد وإرم. وإذن فالصيحة الإيمانية على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن مفاجئة للكون، وإن كتمها الذين كفروا من أهل الكتاب، هؤلاء الذين جاء فيهم قول الحق سبحانه :
ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقا لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنت الله على الكافرين ( ٨٩ ) ( سورة البقرة ).
لقد انتابت الآفة التي تنكر هذا البلاغ عن الله بعضا من أهل الكتاب، فقد أخذوا، وهم المبلغون عن الله، والسلطة الزمنية وأوردوا فيها الحظ والجاه والنعيم، فمنهم القضاة وإليهم يلجأ الناس لمعرفة الحكم في الدماء، وكذلك يأخذون الصدقات. وألفوا حياة السيادة والنعيم. وها هي ذي دعوة جديدة جاءت لتسلب منهم هذه السيادة، وبالرغم من أنهم كانوا المبشرين بها من قبل، إلا أن الدعوة عندما جاءت تزلزلت بها سلطتهم الزمنية، ولذلك بدءوا العداء.
إذن فالآفة هي أخذ سلطة زمنية من باطن سلطة الله ثم يدعى أنها سلطة الله. وعندما ننظر إلى التاريخ الدياني في العالم نجد أن السلطة الزمنية في الأديان التي سبقت الإسلام هي التي أرهقت الكون ؛ لأن الحق سبحانه حينما خلق الكون طمر فيه أسرارا تعمل في خدمة الإنسان وإن لم يدر بها الإنسان. وطموحات الإنسان العلمية هي التي تجعله يهدي إلى هذه الأسرار ويكشف القوانين التي تعمل بها ؛ مثال ذلك قانون الجاذبية، وقانون السالب والموجب، كل هذه القوانين موجودة في الكون، تماما كما خلق الله الأرض كروية وكما جعل الشمس هي مصدر الحرارة والدفء والنور والإشراق.
ويأخذ العلماء من تلك المقدمات ليصلوا إلى اكتشاف قوانين هذه الأجرام وقوانين هذا الكون. وحين يصل العالم الذكي إلى اكتشاف قانون ما فإنه يقول : لقد اكتشفت كذا، وهذا تعبير فطري دقيق، ولا يقول أبدا : لقد ابتكرت كذا ؛ لأنه يعلم أن ما اكتشفه كان موجودا في الكون ولكن لا يعرفه. وعدم معرفة الإنسان بقانون موجود في الكون لا يمنع الفائدة من الوصول إلى الإنسان، إن كانت المعرفة بالقانون تزيد من إمكان الإفادة منه.
فالإنسان يتمتع بوجود الشمس قبل معرفة ما بها من طاقة، ولكن عندما تخصص العلماء في دراسة الشمس عرفوا أن الإنسان يمكن أن يستفيد بهذا الطاقة أكثر من فائدته التقليدية بها، ولذلك صارت هناك بعض المدن تنير شوارعها بالطاقة الشمسية، وصارت هناك بعض المباني تدفئ حجرتها بالطاقة الشمسية وتسخن المياه أيضا بهذه الطاقة. ولم يمنع الاكتشاف أن يستفيد الأمي أو البدوي في الصحراء من نور الشمس. وكذلك الكهرباء، والأدوات الكهربائية والمنزلية التي يمكن للجاهل الاستفادة منها، مثل استفادة الخبير بها، صحيح أن الأمي لا يعرف كيف تدور المصانع التي تنتج أجهزة التليفزيون ولكنه يستفيد برؤية التلفيزيون. والتليفزيون ليس إلا ترجمة مادية لمجموعة من القوانين العلمية اكتشفها الإنسان ووضعها موضع التطبيق لصناعة هذه الآلة التي يستفيد بها الإنسان.
ولكل سر ميلاد تماما كميلاد الإنسان. وإذا جاء ميعاد ميلاد السر ولم يكن هناك من يبحث عنه، فسبحانه يكشفه لأي بشر بالمصادفة، وكثيرا ما نسمع أن عالما كان يبحث في مجال ما ولكنه اكتشف سرا غير الذي كان يبحث عنه. ولذلك يقول الحق في آية الكرسي :
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ( من الآية ٢٥٥ سورة البقرة )
فأنت أيها الإنسان لا تحيط علما بأسرار الكون إلا إذا أذن الله، وهناك
تفسير الشعراوي
الشعراوي