قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ : في الضميرين - أعني هم وهاء «عنه» - أوجه، أحدها: أن المرفوع يعود على الكفار، والمجرور يعود على القرآن، وهو أيضاً الذي عاد عليه الضميرُ المنصوب من «يَفْقهوه»، والمشارُ إليه بقولهم: «إنْ هذا» والثاني: أنَّ «هم» يعود على مَنْ تقدَّم ذِكْرُهم مِن الكفار، وفي «عنه» يعود على الرسول، وعلى هذا فقيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة، فإن قوله: جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ خطاب للرسول، فخرج
صفحة رقم 580
من هذا الخطاب إلى الغَيْبة. وقيل: يعود على المرفوع على أبي طالب وأتباعه.
وفي قوله يَنْهَوْنَ و وَيَنْأَوْنَ تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف فينهَوْن انفردت بالهاء، ويَنْأَوْن بالهمزة، ومثله قوله تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ [الكهف: ١٠٤] بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ...... وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر: ٧٥] وقوله عليه السلام: «الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ» وبعضهم يسمِّيه «تجنيس التحريف» وهو الفرق بين كلمتين بحرف، وأنشدوا:
١٨٨ - ٤- إنْ لم أشُنَّ على أبن حرب غارةً
لم تَخْلُ يوماً من نِهاب نفوسِ
وذكر غيره أن تجنيسَ التحريف هو أن يكون الشكل فرقاً بين كلمتين، وجعل منه «اللُّهى تفتح اللَّهى» وقد تقدم تحقيق ذلك. وقرأ الحسن البصري «ويَنَوْن» بإلقاء حركة الهمزة على النون وحذفها، وهو تخفيف قياسي. والنَّأيُ: البُعْد، قال:
١٨٨ - ٥- إذا غيَّر النأيُ المُحِبِّين لم يَزَلْ
رَسِيسُ الهوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يبرحُ
وقال آخر:
١٨٨ - ٦- ألا حَبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ
وهندٌ أتى مِنْ دونها النأيُ البعدُ
صفحة رقم 581
عطف الشيء على نفسه للمغايرة اللفظية، يقال: نأى زيد يَنْأى نأياً، ويتعدَّى بالهمزة فيقال: أَنْأيْتُه، ولا يُعَدَّى بالتضعيف، وكذا كلُّ ما كان عينه همزة. ونقل الواحدي أنه يقال: نَأَيْتُه بمعنى نَأَيْتُ عنه، أنشد المبردِ:
فبناه للمفعول أي: يُنَحَّى ويُبْعَد. والحاصلُ أن هذه المادةَ تدلُّ على البُعْد، ومنه: أَتَنَأَّى أي: أفتعلُ النَّأيَ. والمَنْأى: الموضع البعيد، قال النابغة:
١٨٨ - ٩- فإنَّك كالموتِ الذي هو مُدْرِكي
وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتأى عنك واسعُ
وتناءَى: تباعَدَ، ومنه النُّؤيُ للحُفَيْرة التي حول الخِباء لتُبْعِدَ عنه الماء. وقُرِئ: وناءَ بجانبه وهو مقلوبٌ مِنْ نأى، ويدل على ذلك أن الأصلَ هو المصدرُ وهو النَّأْيُ بتقديم الهمزة على حرف العلة.
قوله: وَإِن يُهْلِكُونَ«إنْ» نافيةٌ كالتي في قوله: إِنْ هاذآ [الأنعام: ٢٥]، و «أنفسهم» مفعولٌ، وهو استثناء مفرغ، ومفعول «يَشْعرون» محذوف: إمَّا اقتصاراً وإمَّا اختصاراً، أي: وما يشعرون أنهم يُهْلكون أنفسَهم.
صفحة رقم 582