تفسير المفردات : النأي عنه : يشمل الإعراض عن سماعه، والإعراض عن هدايته.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أحوال الكفار في الآخرة وذكر ما يكون منهم من تلجلج واضطراب، فتارة ينكرون شركهم بالله وأخرى يعترفون به، وذكر ما يواجهون به من اللوم والتقريع على الشركاء الذين اتخذوهم أولياء وشفعاء.
ذكر هنا ما يوجب اليأس من إيمان بعض منهم لوجود الموانع الصادة عنه، فمهما توالت الآيات والنذر لا تجدي معهم شيئا، إذ الحجب كثيفة، والأغطية سميكة، فاختراقها عسير، والوصول إليها في حكم المستحيل.
قال ابن عباس : حضر عند النبي صلى الله عليه وسلم أبو سفيان والوليدة بن المغيرة والنضر بن الحارث والحارث بن عامر وأبو جهل في جمع كثير واستمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر يا أبا قتيلة ما يقول محمد ؟ فقال : والذي جعلها ( الكعبة ) بيته ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى يحدث قريشا بما يستملحونه، قال أبو سفيان : إني لأرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل : كلا فأنزل الله الآية.
ثم بين أن أمرهم لم يقتصر على حد الضلال، بل تعدوه إلى الإضلال وساروا فيه قدما فقال : وهم ينهون عنه وينأون عنه .
الإيضاح : وهم ينهون عنه وينأون عنه أي وأولئك المشركون المعاندون للنبي الجاحدون لنبوته، لا يقنعون بتكذيبهم له وعدّه حديث خرافة، بل ينهون الناس عن استماعه، لئلا يقفوا على حقيقته فيؤمنوا به، ويتباعدون عنه بأنفسهم إظهارا لاشمئزازهم ونفورهم منه فيكونون ناهين منتهين.
ثم ذكر أن عاقبة ذلك الوبال والنكال لهم فقال :
وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون أي وما يهلكون إلا أنفسهم بتعريضها لأشد العذاب وأفظعه وهو عذاب الضلال والإضلال، وما يشعرون بذلك بل يظنون أنهم يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا من معجزات القرآن وإخباره بالغيب، فقد هلك جميع الذين أصروا على عداوته صلى الله عليه وسلم، بعضهم في نقم خاصة، وبعضهم في وقعة بدر وغيرها من الغزوات.
ويتبع هذا الهلاك الدنيوي هلاك الآخرة، واللفظ يشملهما معا.
تفسير المراغي
المراغي