ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ٢٥ وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ٢٦
كان المشركون أصنافا متفاوتين في الفهم والعقل وفي الكفر وأسبابه، وقد بين الله أحوال كل فريق منهم في كتابه فمنهم أصحاب الذكاء واللوذعية الذين كانوا يسمعون هذا القرآن ويعقلون أنه لا يمكن أن يكون من كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولا هو بالذي يستطيع الإتيان بمثله في نظمه وفصاحته وبلاغته، ولا في علومه وحكمه ومعارفه، إذ لو كان مثله مما تصل إليه قدرته لظهر على لسانه شيء من مثله أو ما يقرب منه فيما مضى من حياته – وهو أربعون سنة ونيف -. وقد أمره الله تعالى أن يقيم عليهم هذه الحجة بقوله : فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون [ يونس : ١٧ ] وما كان كفر أمثال هؤلاء إلا عن كبر وعناد ومكابرة للحق. ومنهم من كان يعرض عن سماع القرآن خشية أن يؤثر في قلبه، وينتزعه من الدين الذي ألفه طول عمره، ومنهم من كان يصغي سمعه إلى القرآن بقصد الاكتشاف والاختبار، ولكنه لا يعقل المراد منه، ولا يفقه حججه وبيناته، إما لعدم توجه ذهنه إلى ذلك لعراقته في التقليد والأنس بما درج عليه الآباء وهو الأكثر، وإما للبلادة وانحطاط الفكر عن التسامي إلى هذه المعارف العالية فيه، وكان هذا قليلا في العرب ولا سيما أهل مكة وهم أفصح قريش التي هي أفصح العرب.
وهم ينهون عنه وينئون عنه ضمير وهم عائد إلى المشركين المعاندين للنبي صلى الله عليه وسلم الجاحدين لنبوته الذين ورد هذا السياق بطوله فيهم. لا إلى الفريق الذي ذكر أخيرا في قوله : ومنهم من يستمع إليك والمعنى أنهم ينهون الناس عن سماع القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وينأون أي يبعدون عنه ليكونوا ناهين منتهين، والنأي عنه يشمل الإعراض عن سماعه والإعراض عن هدايته. وقيل إن المعنى ينهون عن النبي صلى الله عليه وسلم أي ينهون العرب عن حمايته ومنعه وعن إتباعه والسماع له جميعا ويبعدون عنه بعد جفاء وعداوة. وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ( ٢٦ ) أي وما يهلكون بذلك إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك بل يظنون أنهم يقضون عليه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا من معجزات القرآن وإخباره بالغيب فقد هلك جميع الذين أصروا على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم بعضهم بالنقم الخاصة وبعضهم في بدر ثم في غيرهم من الغزوات، ويلي هذا الهلاك الدنيوي هلاك الآخرة، ولفظ الآية يشملها وهو في هلاك الدنيا أظهر.
تفسير المنار
رشيد رضا