إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون٣٦ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون [ الأنعام : ٣٦ ٣٧ ].
تفسير المفردات : أجاب الدعوة : إذا أتى ما دعى إليه من قول أو عمل، وأجاب الداعي واستجاب له واستجاب دعاءه : إذا لباه بما دعاه إليه.
والقرآن الكريم استعمل أفعال الإجابة في المواضع التي تدل على حصول المسؤول كله بالفعل دفعة واحدة، واستعمل أفعال الاستجابة في المواضع المفيدة لحصول المسؤول بالتهيؤ والاستعداد كقوله : الذين استجابوا لله والرسول من بعده ما أصابهم القرح [ آل عمران : ١٧٢ ] ؛ إذ الآية نزلت في وقعة حمراء الأسد بعد وقعة أحد، فالمراد : أنهم تهيؤوا للقتال، أو المفيدة للدلالة على حدوث الفعل بالتدريج كاستجابة دعوة الدين التي تبدأ بالنطق بالشهادتين ثم بباقي أعمال التدريج.
والاستجابة من الله يعبر بها في الأمور التي تقع في المستقبل ويكون من شأنها أن تقع بالتدريج، كاستجابة الدعاء بالوقاية من النار بالمغفرة وتكفير السيئات وإيتاء ما وعد به المؤمنين في الآخرة كما قال فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم [ آل عمران : ١٩٥ ] الآية.
والسمع والسماع : يطلق على إدراك الصوت، وعلى فهم ما يسمع من الكلام وهو ثمرة السمع، وعلى قبول ما يفهم والعمل به وهذا ثمرة الثمرة، والمراد بالموتى هنا : الكفار الراسخون في الكفر المطبوع على قلوبهم الميئوس من سماعهم سماع تدبر تتبعه الاستجابة للداعي. والبعث : لغة إثارة الشيء وتوجيهه يقال : بعثت البعير أي أثرته من مبركه وسيرته إلى المرعى ونحوه، ولولا : كلمة تفيد الحث على حصول ما بعدها، والآية : المعجزة المخالفة لسنن الله في خلقه.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه في الآية السابقة أنه لو شاء لجمع الناس على الهدى، ولكنه لم يشأ أن يجعل البشر مفطورين على ذلك، ولا أن يلجئهم إلجاء بالآيات التي تقسرهم على ذلك، بل اقتضت حكمته أن يكون البشر متفاوتين في الاستعداد مختارين في تصرفاتهم وأعمالهم، ومنهم من يختار الهدى على الضلال، ومنهم من يستحب العمى على الهدى.
ذكر هنا أن الأولين هم الذين ينظرون في الآيات ويفقهون ما يسمعون من الحجج والبينات، وأن الآخرين لا يفقهون ولا يسمعون، فهم والأموات سواء.
الإيضاح : إنما يستجيب الذين يسمعون أي إنما يستجيب لله ولرسوله الذين يسمعون كلام الله سماع فهم وتدبر، فيعقلون الآيات ويذعنون لما عرفوا بها من الحق، لسلامة فطرتهم وصفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم، دون الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ؛ كالمقلدين الذين لا يفكرون في الأشياء بعقولهم، ودون الذين قالوا سمعنا وعصينا من المستكبرين الجاحدين، فهؤلاء وهؤلاء من موتى القلوب وأبعد الناس عن الانتفاع بما يسمعون.
والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون أي والذين لا ترجى استجابتهم لأنهم كالموتى لا يسمعون السماع النافع، يترك أمرهم إلى الله فهو الذي يبعثهم بعد موتهم، يرسلهم إلى موقف الحساب فينالون ما يستحقون على كفرهم وسيئ أعمالهم، فلا تبخع نفسك عليهم حسرات، إذ ليس في استطاعتك هدايتهم ولا إرجاعهم إلى محجة الرشاد.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه في الآية السابقة أنه لو شاء لجمع الناس على الهدى، ولكنه لم يشأ أن يجعل البشر مفطورين على ذلك، ولا أن يلجئهم إلجاء بالآيات التي تقسرهم على ذلك، بل اقتضت حكمته أن يكون البشر متفاوتين في الاستعداد مختارين في تصرفاتهم وأعمالهم، ومنهم من يختار الهدى على الضلال، ومنهم من يستحب العمى على الهدى.
ذكر هنا أن الأولين هم الذين ينظرون في الآيات ويفقهون ما يسمعون من الحجج والبينات، وأن الآخرين لا يفقهون ولا يسمعون، فهم والأموات سواء.
تفسير المراغي
المراغي