ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

إنما يستجيب الذين يسمعون [ الأنعام : آية ٣٦ ] أي : لا يجيبك إلى ما تطلب وتدعو من الهدى، إلا الذين يسمعون، أي : جعل الله لهم سماع حق وتفهم يسمعون به عن الله، أما الذين [ أعمى ] الله أبصارهم، وختم على آذانهم فلا يجيبونك أبدا، فلا تحزن عليهم، فليس فيهم حيلة ؛ لأن ربهم قضى عليهم بالشقاء الأزلي ؛ ولذا قال هنا : إنما يستجيب أي : يستجيب لك، ويجيبك فيما تدعوه إليه من الإسلام الذين يسمعون سماع تفهم بأن وفقهم الله، وأعطاهم سماع تفهم يفهمون به ويقبلون، أما الذين لم يعطهم الله سماع تفهم فهم صم وإن كانوا يسمعون، كما فال تعالى في المنافقين : صم بكم عمي [ البقرة : آية ١٨ ] صرح بأنهم ( صم ) وأنهم ( بكم ) وأنهم ( عمي )، ومع ذا يقول فيهم : فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد [ الأحزاب : آية ١٩ ] كيف يسلق بألسنة حداد من هو أبكم ؟ وقال : وإن يقولوا تسمع لقولهم [ المنافقون : آية ٤ ] أي : لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. ومعنى هذا : أن الله أصمهم عن سماع الحق، وعن الدين، وعما ينفعهم عند ربهم، وإن كانوا يسمعون غيره، وكذلك جعل ألسنتهم بكما عن النطق بالقول فيما يرضي الله، وبما ينفعهم عنده، وإن نطقوا بغيره.
ومن أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن : أن الشيء إذا كان قليل الجدوى أطلق عليه : لا شيء. فأسماعهم لما لم يفهموا بها عن الله، وأبصارهم لما لم يبصروا بها ما يرضي الله، وقلوبهم لما لم يعقلوا بها بما يرضي الله، صارت كلها كأنها عدم ؛ ولذا أطلق عليهم اسم الصمم ؛ لأن سمعهم لم ينفعهم، كما قال تعالى : وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بئايات الله [ الأحقاف : آية ٢٦ ] فمعلوم في لغة العرب أن السماع الذي لا جدوى له تطلق العرب عليه : لا شيء، وتسمي صاحبه أصم. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول قعنب بن أم صاحب :

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
فسماهم ( صما ) وهو يقول :( إذا سمعوا خيرا ) فأطلق عليهم الصمم مع أنه صرح بأنهم يسمعون. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر :
قل ما بدا لك من زور ومن كذب حلمي أصم وأذني غير صماء
يعني : حلمي لا يبالي بما تقول، وإن كانت أذني تسمعه ؛ ولذا قال هنا : إنما يستجيب الذين يسمعون لأنهم أحياء يسمعون عن الله سماع تفهم.
ثم قال : والموتى يبعثهم الله الموتى جمع ( الميت ) ومثل ( ميت ) يجمع على ( موتى )، وقد يطرد الجمع على ( فعلى ) في كل ( فعيل ) إذا كان يرثى له. وكذلك ( فيعل ) و ( فعل ) ك( ميت وموتى ) و ( وزمن وزمنى )، هذا على الأكثر، أما في ( فعيل ) بمعنى ( مفعول ) إذا كان يرثى لصاحبه فتطرد فيه :( فعلى ).
وأطبق العلماء على أن المراد بالموتى هنا : الكفار. لا يكاد يختلف في هذا اثنان من علماء التفسير. كأنه يقول : إنما يستجيب الأحياء الذين يسمعون، كما قال له : لتنذر من كان حيا [ يس : الآية ٧٠ ] وفي القراءة الأخرى : لينذر من كان حيا أي : الذي له حياة، أما الميت : الذي أمات الله قلبه.
وكثيرا ما يطلق القرآن اسم ( الميت ) على ( الكفر )، كقوله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات [ الأنعام : آية ١٢٢ ] وكقوله : وما يستوي الأحياء ولا الأموات [ فاطر : آية ٢٢ ] يعني بالأحياء : المؤمنين، وبالأموات : الكفرة ؛ لأن الكافر – والعياذ بالله – كأنه ميت ؛ لأن حركات حياته لم تكن في شيء ينفعه عند ربه – جل وعلا – في حياته الأخرى، فصار ميت القلب كأنه ميت بالكلية ؛ ولذا قال : والموتى ، أي : الكفار الذين ختم الله على قلوبهم، وأمات قلوبهم، لا حيلة في إيمانهم، فلا تحزن عليهم، ولكن هون عليك، فحسابهم إلى الله، وهداهم عليه، الله هو الذي أضلهم في الدنيا، ويوم القيامة يبعثهم، ثم إليه يرجعون، فيجازيهم على أعمالهم. فهداهم بيده، وشقاؤهم بيده، وحسابهم إليه. وأنت إنما أنت نذير، وقد بلغت ونصحت، وأديت الأمانة، فقمت بما عليك، وهون عليك. ولذا قال : إنما يستجيب الذين يسمعون [ الأنعام : آية ٣٦ ].
والعرب تطلق ( استجاب ) بمعنى :( أجاب ). والمعنى : يستجيب الذين يسمعون أي : يجيبونك إلى ما تدعوهم إليه. ولا شك عند العلماء في إطلاق ( استجاب ) بمعنى ( أجاب ). ومن الدليل عليه أن العرب الفصحاء نطقوا بما يدل على ذلك، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فجاء ب ( المجيب ) اسم فاعل ( لم يستجبه )، فعرفنا أنه أراد ب ( لم يستجبه ) : لم يجبه مجيب. إنما يستجيب الذي يجيبك إلى ما تدعوا إليه، ويؤمن بك الإيمان الذي تطلب الذين يسمعون الأحياء الذين لهم سمع يفهمون به عنك والموتى أي : الكفار الذين ختم الله على قلوبهم وأسماعهم، فإنك لا يمكن أن تسمعهم ؛ لأنهم موتى، كما قال : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين [ النحل : آية ٨٠ ] ولذا قال : يبعثهم الله أي : من قبورهم يوم القيامة إلى الجزاء.
ثم إليه يرجعون قد تقرر في فن المعاني في مبحث القصر، وفي فن الأصول في مبحث دليل الخطاب – أعني مفهوم المخالفة – أن من الصيغ الدالة على الحصر : تقديم المعمول. وقد قدم المعمول هنا، وهو الجار والمجرور إيذانا بالحصر. ثم يرجعون إليه وحده ؛ لأنه ليس هناك عدة ملوك يرجع بعض الناس إلى واحد ليحاسبه، وبعض إلى واحد ليحاسبه. بل هو الملك الواحد القهار، الذي إليه مرجع الجميع ؛ ولذا قدم المعمول فقال : ثم إليه يرجعون .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير