في هذه الموجة من موجات السياق المتدفق في السورة ؛ يتجه الحديث إلى رسول الله [ ص ] يطيب الله - سبحانه - خاطره في أوله، مما يلاقيه من تكذيب قومه له، وهو الصادق الأمين، فإنهم لا يظنون به الكذب، إنما هم مصرون على الجحود بآيات الله وعدم الاعتراف بها وعدم الإيمان، لأمر آخر غير ظنهم به الكذب ! كما يواسيه بما وقع لإخوانه الرسل قبله من التكذيب والأذى، وما وقع منهم من الصبر والاحتمال، ثم ما انتهى إليه أمرهم من نصر الله لهم. وفق سنته التي لا تتبدل.. حتى إذا انتهى من المواساة والتسرية والتطمين، التفت إلى النبي [ ص ] يقرر له الحقيقية الكبرى في شأن هذه الدعوة.. إنها تجري بقدر الله وفق سنته، وليس للداعية فيها إلا التبليغ والبيان.. إن الله هو الذي يتصرف في الأمر كله، فليس على الداعية إلا أن يمضي وفق هذا الأمر، لا يستعجل خطوة ولا يقترح على الله شيئا. حتى ولو كان هو النبي الرسول ! ولا يستمع إلى مقترحات المكذبين - ولا الناس عامة - في منهج الدعوة، ولا في اقتراح براهين وآيات معينة عليه.. والأحياء الذين يسمعون سيستجيبون، أما موتى القلوب فهم موتى لا يستجيبون، والأمر إلى الله إن شاء أحياهم وإن شاء أبقاهم موتى حتى يرجعوا إليه يوم القيامة.
وهم يطلبون آية خارقة على نحو ما كان يقع للأقوام من قبلهم، والله قادر على أن ينزل آية. ولكنه سبحانه لا يريد - لحكمة يراها - فإذا كبر على الرسول إعراضهم فليحاول هو إذن بجهده البشري أن يأتيهم بآية !.. إن الله - سبحانه - هو خالق الخلائق جميعا، وعنده أسرار خلقهم، وحكمة اختلاف خصائصهم وطباعهم. وهو يترك المكذبين من البشر صما وبكما في الظلمات، ويضل من يشاء ويهدي من يشاء وفق ما يعلمه من حكمة الخلق والتنويع..
وبعد ذلك بيان للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولمواقفهم المختلفة في مواجهة الهدى، الذي لا تنقصه البينة ولا ينقصه الدليل :
( إنما يستجيب الذين يسمعون. والموتى يبعثهم الله. ثم إليه يرجعون )..
إن الناس يواجهون هذا الحق الذي جاءهم به الرسول من عند الله وهم فريقان :
فريق حي، أجهزة الاستقبال الفطرية فيه حية، عاملة، مفتوحة.. وهؤلاء يستجيبون للهدى. فهو من القوة والوضوح والاصطلاح مع الفطرة والتلاقي معها إلى الحد الذي يكفي أن تسمعه، فتستجيب له :
( إنما يستجيب الذين يسمعون )..
وفريق ميت، معطل الفطرة، لا يسمع ولا يستقبل، ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب.. ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله - فدليله كامن فيه، ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه، فاستجابت إليه حتما - إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة، وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي ! وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول، ولا مجال معهم للبرهان. إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله. إن شاء بعثهم إن علم منهم ما يستحق أن يحييهم، وإن شاء لم يبعثهم في هذه الحياة الدنيا، وبقوا أمواتا بالحياة حتى يرجعوا إليه في الآخرة.
( والموتى يبعثهم الله. ثم إليه يرجعون )..
هذه هي قصة الاستجابة وعدم الاستجابة ! تكشف حقيقة الموقف كله، وتحدد واجب الرسول وعمله، وتترك الأمر كله لصاحب الأمر يقضي فيه بما يريد.
إن طريق الدعوة إلى الله شاق، محفوف بالمكاره، ومع أن نصر الله للحق آت لا ريب فيه، إلا أن هذا النصر إنما يأتي في موعده الذي يقدره الله، وفق علمه وحكمته، وهو غيب لا يعلم موعده أحد - حتى ولا الرسول - والمشقة في هذا الطريق تنشأ من عاملين أساسيين : من التكذيب والإعراض اللذين تقابل بهما الدعوة في أول الأمر، والحرب والأذى اللذين يعلنان على الدعاة.. ثم من الرغبة البشرية في نفس الداعية في هداية الناس إلى الحق الذي تذوقه، وعرف طعمه، والحماسة للحق والرغبة في استعلانه ! وهذه الرغبة لا تقل مشقة عن التكذيب والإعراض والحرب والأذى. فكلها من دواعي مشقة الطريق !
والتوجيه القرآني في هذه الموجه من السياق يعالج هذه المشقة من جانبيها.. ذلك حين يقرر أن الذين يكذبون بهذا الدين أو يحاربون دعوته، يعلمون علم اليقين أن ما يدعون إليه هو الحق، وأن الرسول الذي جاء به من عندالله صادق. ولكنهم مع هذا العلم لا يستجيبون، ويستمرون في جحودهم عنادا وإصرارا، لأن لهم هوى في الإعراض والتكذيب ! وأن هذا الحق يحمل معه دليل صدقه، وهو يخاطب الفطرة فتستجيب له، متى كانت هذه الفطرة حية، وأجهزة الاستقبال فيها صالحة :( إنما يستجيب الذين يسمعون ).. فأما الذين يجحدون فإن قلوبهم ميتة وهم موتى وهو صم وبكم في الظلمات. والرسول لا يسمع الموتى ولا يسمع الصم الدعاء. والداعية ليس عليه أن يبعث الموتى. فذلك من شأن الله.. هذا كله من جانب، ومن الجانب الآخر، فإن نصر الله آت لا ريب فيه.. كل ما هنالك أنه يجري وفق سنة الله وبقدر الله، وكما أن سنة الله لا تستعجل، وكلماته لا تتبدل، من ناحية مجيء النصر في النهاية، فكذلك هي لا تتبدل ولا تستعجل من ناحية الموعد المرسوم.. والله لا يعجل لأن الأذى والتكذيب يلحق بالدعاة - ولو كانوا هم الرسل - فإن استسلام صاحب الدعوة نفسه لقدر الله بلا عجلة، وصبره على الأذى بلا تململ، ويقينه في العاقبة بلا شك.. كلها مطلوبة من وراء تأجيل النصر إلى موعده المرسوم.
ويحدد هذا التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين - ودور الدعاة بعده في كل جيل - إنه التبليغ، والمضي في الطريق، والصبر على مشاق الطريق.. أما هدى الناس أو ضلالهم فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته.. والهدى والضلال إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل، ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يحب، كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب.. إن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية، وحسابه ليس على عدد المهتدين، إنما حسابه على ما أدى وما صبر وما التزم، وما استقام كما أمر.. وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس.. ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ).. ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى )..
( إنما يستجيب الذين يسمعون ) وقد بينا من قبل علاقة مشيئة الله الطليقة في الهدى والضلال باتجاه الناس وجهادهم. بما فيه الكفاية.
من هنا لا ينبغي لصاحب الدعوة إلى هذا الدين، أن يستجيب لاقتراحات المقترحين ممن يوجه إليهم الدعوة، في تحوير منهج دعوته عن طبيعته الربانية ؛ ولا أن يحاول تزيين هذا الدين لهم وفق رغباتهم وأهوائهم وشهواتهم.. ولقد كان المشركون يطلبون الخوارق - وفق مألوف زمانهم ومستوى مداركهم كما حكى عنهم القرآن في مواضع منه شتى، منها في هذه السورة ( وقالوا : لولا أنزل عليه ملك ! ).. ( وقالوا : لولا نزل عليه آية من ربه ).. ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ).. وفي السور الأخرى ما هو أشد إثارة للعجب من هذه الاقتراحات. ذلك كالذي حكاه عنهم في سورة الإسراء :( وقالوا : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. أو تسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا. أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء. ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ! ).. وكالذي حكاه عنهم في سورة الفرقان : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لولا أنزل إليه ملك، فيكون معه نذيرا. أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها !..
والتوجيه القرآني المباشر في هذه الموجه من السورة نهى رسول الله [ ص ] والمؤمنين أن يرغبوا في إتيانهم بآية - أية آية - مما يطلبون. وقيل للرسول [ ص ] :( وإن كان كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فلا تكونن من الجاهلين. إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم الله، ثم إليه يرجعون ).. وقيل للمؤمنين الذين رغبت نفوسهم في الاستجابة للمشركين في طلبهم آية عندما أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ! قيل لهم : قل : إنما الآيات عند الله، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون. ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ونذرهم في طغيانهم يعمهون.. ليعلموا أولاأن الذي ينقص المكذبين ليس هو الآية والدليل على الحق، ولكن الذي ينقصهم أنهم لا يسمعون، وأنهم موتى، وأن الله لم يقسم لهم الهدى - وفق سنة الله في الهدى والضلال كما اسلفنا - ثم ليعلموا كذلك أن هذا الدين يجري وفق سنة لاتتبدل، وأنه أعز من أن يصبح تحت رغبات المقترحين وأهوائهم !
وهذا يقودنا إلى المجال الأشمل لهذا التوجيه القرآني.. إنه ليس خاصا بزمن، ولا محصورا في حادث، ولا مقيدا باقتراح معين. فالزمن يتغير، وأهواء الناس تتمثل في اقتراحات أخرى. وأصحاب الدعوة إلى دين الله ينبغي ألا تستخفهم أهواء البشر.. إن الرغبة في الاستجابة لمقترحات المقترحين هي التي تقود بعض أصحاب الدعوة الإسلامية اليوم إلى محاولة بلورة العقيدة الإسلامية في صورة " نظرية مذهبية " على الورق كالذي يجدونه في النظريات المذهبية الأرضية الصغيرة، التي يصوغها البشر لفترة من الفترات ؛ ثم يمضي الزمن فإذا كلها عورات وشطحات ومتناقضات !.. وهي التي تقود بعض أصحاب هذه الدعوة إلى محاولة بلورة النظام الإسلامي في صورة مشروع نظام - على الورق - أو صورة تشريعات مفصلة - على الورق أيضا - تواجه ما عليه أهل الجاهلية الحاضرة من أوضاع لا علاقة لها بإلاسلام [ لأن أهل هذه الجاهلية يقولون : إن الإسلام عقيدة ولا علاقة له بالنظام العام الواقعي للحياة ! ] وتنظم لهم هذه الأوضاع ؛ بينما هم باقون على جاهليتهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ولا يحكمون أو يتحاكمون إلى شريعة الله.. وكلها محاولات ذليلة، لا يجوز للمسلم أن يحاولها استجابة لأزياء التفكير البشري المتقلبة، التي لا تثبت على حال. باسم تطور وسائل الدعوة إلى الله !
وأذل من هذه المحاولة محاولة من يضعون على الإسلام أقنعة أخرى، ويصفونه بصفات من التي تروج عند الناس في فترة من الفترات.. كالاشتراكية.. والديمقراطية.. وما إليها.. ظانين أنهم إنما يخدمون الإسلام بهذه التقدمة الذليلة !.. إن " الاشتراكية " مذهب اجتماعي اقتصادي من صنع البشر ؛ قابل للصواب والخطأ. وإن " الديمقراطية " نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر كذلك، يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضا.. والإسلام منهج حياة يشمل التصور الاعتقادي، والنظام الاجتماعي الاقتصادي، والنظام التنفيذي والتشكيلي.. وهو من صنع الله المبرأ من النقص والعيب.. فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج الله - سبحانه - عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر ؟ بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لله - سبحانه - عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد ؟ !..
لقد كان كل شرك المشركين في الجاهلية العربية أنهم يستشفعون عند الله ببعض خلقه.. يتخذونهم أولياء :
( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.. ) فهذا هو الشرك ! فما الوصف الذي يطلق إذن على الذين لا يستشفعون لأنفسهم عند الله بأولياء من عبيده، ولكنهم - ويا للنكر والبشاعة ! - يستشفعون لله - سبحانه - عند العبيد بمذهب أو منهج من مذاهب العبيد ومناهجهم ؟ !
إن الإسلام هو الإسلام. والاشتراكية هي الاشتراكية. والديمقراطية هي الديمقراطية.. ذلك منهج الله ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله الله له، والصفة التي وصفه بها.. وهذه وتلك من مناهج البشر. ومن تجارب البشر.. وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس.. ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين الله، أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلب. وهو يحسب أنه يحسن إلى دين الله !
على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم، ولم يقدروا الله حق قدره.. إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية، وباسم الديمقراطية، لأن هذين زيان من أزياء الاتجاهات المعاصرة. فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي ! كما كانالحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وماتزيني مثلا ! وغدا من يدري ماذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعية الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد، فكيف يا ترى ستقولون غدا عن الإسلام ؟ لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس ؟ !
إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله.. إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه ؛ فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين ؛ ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه ؛ ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته.. إن الله غني عن العالمين. ومن لم يستجب لدينه عبودية له، وانسلاخا من العبودية لسواه، فلا حاجة لهذا الدين به، كما أنه لا حاجة لله - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة.
ثم إنه إذا كان لهذا الدين أصالته من ناحية مقوماته وخصائصه، التي يريد الله أن تسود البشرية. فإن له كذلك أصالته في منهجه في العمل، وفي أسلوبه في خطاب الفطرة البشرية.. إن الذي نزل هذا الدين بمقوماته وخصائصه، وبمنهجه الحركي وأسلوبه، هو - سبحانه - الذي خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه..
وفي هذه الموجة من السورة نموذج من مخاطبته للفطرة الإنسانية.. نموذج من نماذج متنوعة شتى.. فهو يربط الفطرة البشرية بالوجود الكوني، ويدع الإيقاعات الكونية تواجه الفطرة البشرية، ويثير انتباه الكينونة البشرية لتلقي هذه الإيقاعات.. وهو يعلم أنها تستجيب لها متى بلغتها بعمقها وقوتها :( إنما يستجيب الذين يسمعون )..
والنموذج الذي يواجهنا في هذه الموجة هو :
( وقالوا : لولا نزل عليه آية من ربه ! قل : إن الله قادر على أن ينزل آية. ولك
في هذه الموجة من موجات السياق المتدفق في السورة ؛ يتجه الحديث إلى رسول الله [ ص ] يطيب الله - سبحانه - خاطره في أوله، مما يلاقيه من تكذيب قومه له، وهو الصادق الأمين، فإنهم لا يظنون به الكذب، إنما هم مصرون على الجحود بآيات الله وعدم الاعتراف بها وعدم الإيمان، لأمر آخر غير ظنهم به الكذب ! كما يواسيه بما وقع لإخوانه الرسل قبله من التكذيب والأذى، وما وقع منهم من الصبر والاحتمال، ثم ما انتهى إليه أمرهم من نصر الله لهم. وفق سنته التي لا تتبدل.. حتى إذا انتهى من المواساة والتسرية والتطمين، التفت إلى النبي [ ص ] يقرر له الحقيقية الكبرى في شأن هذه الدعوة.. إنها تجري بقدر الله وفق سنته، وليس للداعية فيها إلا التبليغ والبيان.. إن الله هو الذي يتصرف في الأمر كله، فليس على الداعية إلا أن يمضي وفق هذا الأمر، لا يستعجل خطوة ولا يقترح على الله شيئا. حتى ولو كان هو النبي الرسول ! ولا يستمع إلى مقترحات المكذبين - ولا الناس عامة - في منهج الدعوة، ولا في اقتراح براهين وآيات معينة عليه.. والأحياء الذين يسمعون سيستجيبون، أما موتى القلوب فهم موتى لا يستجيبون، والأمر إلى الله إن شاء أحياهم وإن شاء أبقاهم موتى حتى يرجعوا إليه يوم القيامة.
وهم يطلبون آية خارقة على نحو ما كان يقع للأقوام من قبلهم، والله قادر على أن ينزل آية. ولكنه سبحانه لا يريد - لحكمة يراها - فإذا كبر على الرسول إعراضهم فليحاول هو إذن بجهده البشري أن يأتيهم بآية !.. إن الله - سبحانه - هو خالق الخلائق جميعا، وعنده أسرار خلقهم، وحكمة اختلاف خصائصهم وطباعهم. وهو يترك المكذبين من البشر صما وبكما في الظلمات، ويضل من يشاء ويهدي من يشاء وفق ما يعلمه من حكمة الخلق والتنويع..
وبعد ذلك بيان للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولمواقفهم المختلفة في مواجهة الهدى، الذي لا تنقصه البينة ولا ينقصه الدليل :
( إنما يستجيب الذين يسمعون. والموتى يبعثهم الله. ثم إليه يرجعون )..
إن الناس يواجهون هذا الحق الذي جاءهم به الرسول من عند الله وهم فريقان :
فريق حي، أجهزة الاستقبال الفطرية فيه حية، عاملة، مفتوحة.. وهؤلاء يستجيبون للهدى. فهو من القوة والوضوح والاصطلاح مع الفطرة والتلاقي معها إلى الحد الذي يكفي أن تسمعه، فتستجيب له :
( إنما يستجيب الذين يسمعون )..
وفريق ميت، معطل الفطرة، لا يسمع ولا يستقبل، ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب.. ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله - فدليله كامن فيه، ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه، فاستجابت إليه حتما - إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة، وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي ! وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول، ولا مجال معهم للبرهان. إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله. إن شاء بعثهم إن علم منهم ما يستحق أن يحييهم، وإن شاء لم يبعثهم في هذه الحياة الدنيا، وبقوا أمواتا بالحياة حتى يرجعوا إليه في الآخرة.
( والموتى يبعثهم الله. ثم إليه يرجعون )..
هذه هي قصة الاستجابة وعدم الاستجابة ! تكشف حقيقة الموقف كله، وتحدد واجب الرسول وعمله، وتترك الأمر كله لصاحب الأمر يقضي فيه بما يريد.
إن طريق الدعوة إلى الله شاق، محفوف بالمكاره، ومع أن نصر الله للحق آت لا ريب فيه، إلا أن هذا النصر إنما يأتي في موعده الذي يقدره الله، وفق علمه وحكمته، وهو غيب لا يعلم موعده أحد - حتى ولا الرسول - والمشقة في هذا الطريق تنشأ من عاملين أساسيين : من التكذيب والإعراض اللذين تقابل بهما الدعوة في أول الأمر، والحرب والأذى اللذين يعلنان على الدعاة.. ثم من الرغبة البشرية في نفس الداعية في هداية الناس إلى الحق الذي تذوقه، وعرف طعمه، والحماسة للحق والرغبة في استعلانه ! وهذه الرغبة لا تقل مشقة عن التكذيب والإعراض والحرب والأذى. فكلها من دواعي مشقة الطريق !
والتوجيه القرآني في هذه الموجه من السياق يعالج هذه المشقة من جانبيها.. ذلك حين يقرر أن الذين يكذبون بهذا الدين أو يحاربون دعوته، يعلمون علم اليقين أن ما يدعون إليه هو الحق، وأن الرسول الذي جاء به من عندالله صادق. ولكنهم مع هذا العلم لا يستجيبون، ويستمرون في جحودهم عنادا وإصرارا، لأن لهم هوى في الإعراض والتكذيب ! وأن هذا الحق يحمل معه دليل صدقه، وهو يخاطب الفطرة فتستجيب له، متى كانت هذه الفطرة حية، وأجهزة الاستقبال فيها صالحة :( إنما يستجيب الذين يسمعون ).. فأما الذين يجحدون فإن قلوبهم ميتة وهم موتى وهو صم وبكم في الظلمات. والرسول لا يسمع الموتى ولا يسمع الصم الدعاء. والداعية ليس عليه أن يبعث الموتى. فذلك من شأن الله.. هذا كله من جانب، ومن الجانب الآخر، فإن نصر الله آت لا ريب فيه.. كل ما هنالك أنه يجري وفق سنة الله وبقدر الله، وكما أن سنة الله لا تستعجل، وكلماته لا تتبدل، من ناحية مجيء النصر في النهاية، فكذلك هي لا تتبدل ولا تستعجل من ناحية الموعد المرسوم.. والله لا يعجل لأن الأذى والتكذيب يلحق بالدعاة - ولو كانوا هم الرسل - فإن استسلام صاحب الدعوة نفسه لقدر الله بلا عجلة، وصبره على الأذى بلا تململ، ويقينه في العاقبة بلا شك.. كلها مطلوبة من وراء تأجيل النصر إلى موعده المرسوم.
ويحدد هذا التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين - ودور الدعاة بعده في كل جيل - إنه التبليغ، والمضي في الطريق، والصبر على مشاق الطريق.. أما هدى الناس أو ضلالهم فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته.. والهدى والضلال إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل، ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يحب، كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب.. إن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية، وحسابه ليس على عدد المهتدين، إنما حسابه على ما أدى وما صبر وما التزم، وما استقام كما أمر.. وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس.. ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ).. ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى )..
( إنما يستجيب الذين يسمعون ) وقد بينا من قبل علاقة مشيئة الله الطليقة في الهدى والضلال باتجاه الناس وجهادهم. بما فيه الكفاية.
من هنا لا ينبغي لصاحب الدعوة إلى هذا الدين، أن يستجيب لاقتراحات المقترحين ممن يوجه إليهم الدعوة، في تحوير منهج دعوته عن طبيعته الربانية ؛ ولا أن يحاول تزيين هذا الدين لهم وفق رغباتهم وأهوائهم وشهواتهم.. ولقد كان المشركون يطلبون الخوارق - وفق مألوف زمانهم ومستوى مداركهم كما حكى عنهم القرآن في مواضع منه شتى، منها في هذه السورة ( وقالوا : لولا أنزل عليه ملك ! ).. ( وقالوا : لولا نزل عليه آية من ربه ).. ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ).. وفي السور الأخرى ما هو أشد إثارة للعجب من هذه الاقتراحات. ذلك كالذي حكاه عنهم في سورة الإسراء :( وقالوا : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. أو تسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا. أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء. ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ! ).. وكالذي حكاه عنهم في سورة الفرقان : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لولا أنزل إليه ملك، فيكون معه نذيرا. أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها !..
والتوجيه القرآني المباشر في هذه الموجه من السورة نهى رسول الله [ ص ] والمؤمنين أن يرغبوا في إتيانهم بآية - أية آية - مما يطلبون. وقيل للرسول [ ص ] :( وإن كان كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فلا تكونن من الجاهلين. إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم الله، ثم إليه يرجعون ).. وقيل للمؤمنين الذين رغبت نفوسهم في الاستجابة للمشركين في طلبهم آية عندما أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ! قيل لهم : قل : إنما الآيات عند الله، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون. ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ونذرهم في طغيانهم يعمهون.. ليعلموا أولاأن الذي ينقص المكذبين ليس هو الآية والدليل على الحق، ولكن الذي ينقصهم أنهم لا يسمعون، وأنهم موتى، وأن الله لم يقسم لهم الهدى - وفق سنة الله في الهدى والضلال كما اسلفنا - ثم ليعلموا كذلك أن هذا الدين يجري وفق سنة لاتتبدل، وأنه أعز من أن يصبح تحت رغبات المقترحين وأهوائهم !
وهذا يقودنا إلى المجال الأشمل لهذا التوجيه القرآني.. إنه ليس خاصا بزمن، ولا محصورا في حادث، ولا مقيدا باقتراح معين. فالزمن يتغير، وأهواء الناس تتمثل في اقتراحات أخرى. وأصحاب الدعوة إلى دين الله ينبغي ألا تستخفهم أهواء البشر.. إن الرغبة في الاستجابة لمقترحات المقترحين هي التي تقود بعض أصحاب الدعوة الإسلامية اليوم إلى محاولة بلورة العقيدة الإسلامية في صورة " نظرية مذهبية " على الورق كالذي يجدونه في النظريات المذهبية الأرضية الصغيرة، التي يصوغها البشر لفترة من الفترات ؛ ثم يمضي الزمن فإذا كلها عورات وشطحات ومتناقضات !.. وهي التي تقود بعض أصحاب هذه الدعوة إلى محاولة بلورة النظام الإسلامي في صورة مشروع نظام - على الورق - أو صورة تشريعات مفصلة - على الورق أيضا - تواجه ما عليه أهل الجاهلية الحاضرة من أوضاع لا علاقة لها بإلاسلام [ لأن أهل هذه الجاهلية يقولون : إن الإسلام عقيدة ولا علاقة له بالنظام العام الواقعي للحياة ! ] وتنظم لهم هذه الأوضاع ؛ بينما هم باقون على جاهليتهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ولا يحكمون أو يتحاكمون إلى شريعة الله.. وكلها محاولات ذليلة، لا يجوز للمسلم أن يحاولها استجابة لأزياء التفكير البشري المتقلبة، التي لا تثبت على حال. باسم تطور وسائل الدعوة إلى الله !
وأذل من هذه المحاولة محاولة من يضعون على الإسلام أقنعة أخرى، ويصفونه بصفات من التي تروج عند الناس في فترة من الفترات.. كالاشتراكية.. والديمقراطية.. وما إليها.. ظانين أنهم إنما يخدمون الإسلام بهذه التقدمة الذليلة !.. إن " الاشتراكية " مذهب اجتماعي اقتصادي من صنع البشر ؛ قابل للصواب والخطأ. وإن " الديمقراطية " نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر كذلك، يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضا.. والإسلام منهج حياة يشمل التصور الاعتقادي، والنظام الاجتماعي الاقتصادي، والنظام التنفيذي والتشكيلي.. وهو من صنع الله المبرأ من النقص والعيب.. فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج الله - سبحانه - عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر ؟ بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لله - سبحانه - عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد ؟ !..
لقد كان كل شرك المشركين في الجاهلية العربية أنهم يستشفعون عند الله ببعض خلقه.. يتخذونهم أولياء :
( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.. ) فهذا هو الشرك ! فما الوصف الذي يطلق إذن على الذين لا يستشفعون لأنفسهم عند الله بأولياء من عبيده، ولكنهم - ويا للنكر والبشاعة ! - يستشفعون لله - سبحانه - عند العبيد بمذهب أو منهج من مذاهب العبيد ومناهجهم ؟ !
إن الإسلام هو الإسلام. والاشتراكية هي الاشتراكية. والديمقراطية هي الديمقراطية.. ذلك منهج الله ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله الله له، والصفة التي وصفه بها.. وهذه وتلك من مناهج البشر. ومن تجارب البشر.. وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس.. ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين الله، أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلب. وهو يحسب أنه يحسن إلى دين الله !
على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم، ولم يقدروا الله حق قدره.. إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية، وباسم الديمقراطية، لأن هذين زيان من أزياء الاتجاهات المعاصرة. فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي ! كما كانالحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وماتزيني مثلا ! وغدا من يدري ماذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعية الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد، فكيف يا ترى ستقولون غدا عن الإسلام ؟ لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس ؟ !
إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله.. إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه ؛ فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين ؛ ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه ؛ ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته.. إن الله غني عن العالمين. ومن لم يستجب لدينه عبودية له، وانسلاخا من العبودية لسواه، فلا حاجة لهذا الدين به، كما أنه لا حاجة لله - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة.
ثم إنه إذا كان لهذا الدين أصالته من ناحية مقوماته وخصائصه، التي يريد الله أن تسود البشرية. فإن له كذلك أصالته في منهجه في العمل، وفي أسلوبه في خطاب الفطرة البشرية.. إن الذي نزل هذا الدين بمقوماته وخصائصه، وبمنهجه الحركي وأسلوبه، هو - سبحانه - الذي خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه..
وفي هذه الموجة من السورة نموذج من مخاطبته للفطرة الإنسانية.. نموذج من نماذج متنوعة شتى.. فهو يربط الفطرة البشرية بالوجود الكوني، ويدع الإيقاعات الكونية تواجه الفطرة البشرية، ويثير انتباه الكينونة البشرية لتلقي هذه الإيقاعات.. وهو يعلم أنها تستجيب لها متى بلغتها بعمقها وقوتها :( إنما يستجيب الذين يسمعون )..
والنموذج الذي يواجهنا في هذه الموجة هو :
( وقالوا : لولا نزل عليه آية من ربه ! قل : إن الله قادر على أن ينزل آية. ولك