الربع الأول من الحزب الرابع عشر
في المصحف الكريم
يبتدئ هذا الربع، بتقرير حقيقة ثابتة، ألا وهي أن السبيل إلى تلقي الدعوة والاستجابة لها هو تفتح العقل لإدراك ما يعرض عليه واستيعابه، وتفتح الحواس للإحساس بما تتلقاه من المحسوسات والمشاهدات واستيعابها، فإذا تعطلت ملكة العقل في أي إنسان عن وظيفتها الأساسية، وإذا تعطلت الحواس الظاهرة والباطنة عن نشاطها العادي، لم يبق لدى الإنسان أية وسيلة أخرى للإدراك ولا للإحساس، وبالتالي يتعذر عليه أن يتلقى الدعوة ويتفهمها، فضلا على أن يستجيب لها ويتجاوب معها، فقد تعطل فكره وتعطلت حواسه، وهو بمنزلة من مات موتا حقيقيا، وإن كان لا يزال معدودا بين الأحياء حياة ظاهرة.
وإذن فأمام الدعوة الإسلامية صنفان من الناس، أحياء لا يزالون يتمتعون بملكاتهم وحواسهم، وعندهم استعداد للفهم والتفاهم، وهؤلاء معقد الأمل والرجاء في نصر الدعوة الإسلامية، لينذر من كان حيا وهناك أموات أحاطت بهم الضلالات والأوهام من كل جانب، فدمرت فيهم جميع الملكات، وعطلت في أنفسهم جميع الطاقات، وضربت من حولهم حصارا تاما لا يبقى معه أي منفذ تصل إليهم عن طريقه هذه الدعوة، ولا أية نافذة يطلون منها على حقيقة الكون والمكون، وهؤلاء وإن كانوا لا يزالون في الدنيا فهم موتى موتا معنويا وروحيا، وسيظلون على موتهم المعنوي هذا إلى أن تتم موتتهم الجسمية الأولى، ولن يبعثوا من موتهم المعنوي ثم موتهم الجسمي إلا يوم يحل موعد البعث والنشر والحشر يوم القيامة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : إنما يستجيب الذين يسمعون أي الذين لا تزال ملكاتهم غير معطلة والموتى يبعثهم الله أي الذين تعطلت ملكاتهم لا يستجيبون للرسول صلى الله عليه وسلم، فهم موتى، والميت لا يجيب إلا عندما يبعث ويحشر أمام الله ثم إليه ترجعون .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري