وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ٤ فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون ٥ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين٦ .
أرشدت الآيات الثلاث السابقة إلى دلائل وحدانية الله تعالى في ربوبيته وألوهيته، وأنها على ظهورها لم تمنع الكافرين من الشرك في الألوهية ؛ وأرشدت إلى دلائل البعث وإلى أنها على قوتها لم تمنع المشركين من الشك فيه ؛ وبينت الثالثة أن الله تعالى المتصف بالصفات التي يعرفونها ولا ينكرونها هو الله في عالمي السموات والأرض، المحيط علمه بكل شيء، فلا ينبغي أن يتخذ معه إلاه فيهما. ولكن المشركين جهلوا ذلك فجوزوا أن يكون غير الرب إلاها وعبدوا معه آلهة أخرى، فبين لهم الوحي الحق في ذلك وأن الله الذي يعترفون بأنه هو رب السموات والأرض وما فيهن هو الإله المعبود بالحق فيهن – ثم أرشدت هذه الآيات الثلاث اللاحقة سبب عدم اهتدائهم بالوحي، وأنذرتهم عاقبة التكذيب بالحق، ويتلو ذلك في الآيات التي بعدهن كشف شبهاتهم على الوحي وبعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون الكلام في أصول الدين كلها وكل السورة تفصيل له.
قال عز وجل : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ( ٤ ) أي لم يكن كل أمرهم أنهم لم يستدلوا بما ذكر في الآية الأولى من البينات على التوحيد، ولا بما ذكر في الثانية على البعث، ولم ينظروا فيما يستلزمه كونه سبحانه هو الله في السموات وفي الأرض، المحيط علمه بالسر والجهر وكسب العبد، بل يرونها في الآفاق وفي أنفسهم، عدم الاهتداء بالآيات المتجددة التي تهديهم إلى تلك وتبين لهم وجه دلالتها، وهي آيات القرآن، المرشدة إلى آيات الأكوان، والمثبتة لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وفي معناها كل ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم من معجزات، وذلك أنهم لا تأتيهم آية من الآيات من عند ربهم – ولا يقدر عليها غيره – إلا كانوا معرضين عنها، غير متدبرين لمعناها، ولا ناظرين فيما تدل عليه وتستلزمه فيهتدوا به. وأصل الإعتراض التولي عن الشيء الذي يظهر به عرض المتولي المدبر عنه. أي فهم لهذا الإعراض عن النظر في الآيات المنزلة وما فيها من الإعجاز العلمي واللفظي يظلون معرضين عن الآيات الكونية الدائمة الدالة على أن هذا الرب الواحد الذي بيده ملكوت كل شيء هو الحقيق بالألوهية وحده، وأنه لا يجوز أن يدعي غيره ولا أن يعبد سواه، لأن الربوبية والألوهية متلازمان. فالآيات الدالة على أن الرب واحد دالة أيضا على أنه هو الإله وحده، ولولا إعراضهم عن النظر في ذلك والتأمل فيه عنادا من رؤسائهم، وجمودا على التقليد من دهمائهم، المانع من النظر والاستدلال، لظهر لهم ظهورا لا يحتمل المراء ولا يقبل الجدال، فالآية معطوفة على ما قبلها متممة لمعناه، والمضارع المنفي فيها على إطلاقه دال على التجدد والاستمرار، أو على بيان الشؤون وشرح الحقائق – كقوله تعالى : الله يعلم ما تحمل كل أنثى [ الرعد : ٨ ] – فلا يلاحظ فيه حال ولا استقبال، وفي معنى هذه الآية آية أول سورة الشعراء وسيأتي قريبا، وآية في أول سورة الأنبياء وهي : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث استمعوه وهم يلعبون * لاهية قلوبهم [ الأنبياء : ٢، ٣ ].
وقوله :« من آية » يدل على استغراق النفي أو تأكيده. وإضافة الآيات إلى الرب تفيد أن إنزاله الوحي وبعثه للرسل وتأييدهم وهدايته للخلق بهم من مقتضى ربوبيته أي مقتضى كونه هو السيد المالك المربي لخلقه المدبر لأمورهم على الوجه الموافق للحكمة. وأنه لا يقدر عليه غيره – فالذين يؤمنون بالرب ولا يؤمنون بكتبه ورسله. يجهلون قدر ربوبيته وكنه حكمته ورحمته. وقيل إن المراد بالآيات هنا الدلائل الكونية الثابتة، وهو ضعيف فإن هذه لا يكاد يعبر عنها بالإتيان، لأنها مائلة للبصائر والأبصار، وإنما يعبر بالإتيان عن آيات الوحي التي تتجدد وعما يتجدد مثلها من المعجزات، ومصداق الأخبار بالغيب، كالأخبار بنصر الرسل وخذلان أقوامهم وآيات الساعة. مثال ذلك آيتا الأنبياء والشعراء المشار إليهما آنفا وقوله تعالى : أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات [ غافر : ٤٠ ] وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها [ الأعراف : ١٣٢ ] أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله [ يوسف : ١٠٧ ].
كان عاقبة ذلك أن الحق صار مجهولا في نفسه عند الأكثرين. فاتخذ الناس رؤساء جهالا للدنيا وللدين، فتواطأ الفريقان على اضطهاد حملة الحجة من العلماء المستقلين، وظنوا أن ذلك من الكياسة، التي تقتضيها السياسة، ويحفظ بها أمر الملك والرياسة، وما كان إلا فتنة لهم، أضاعوا بها دينهم وملكهم، على أيدي أقوام من أمم الشمال، اقتبسوا من الإسلام وأهله الأولين ذلك الاستقلال، فنسخوا ما كانوا فيه من ظلمات التقليد بنور الاستدلال، فبلغوا من العزة والسيادة أوج الكمال، ثم استدار الزمان فافتتن بعض المسلمين، بما رأوا عليه هؤلاء المستقلين، ولكن داء التقليد العضال، لم يفارقهم في هذه الحال، فطفقوا يقلدونهم في الأزياء والعادات وظواهر الأحكام والأعمال، فازدادوا بذلك خزيا على خزي وضلالا على ضلال، إذ هدموا مقومات أمتهم ومشخصاتها، ولم يستطيعوا أن يكونوها بمقومات ومشخصات غيرها.
فهذه الآيات الكريمة حجة على مقلدة المسلمين وعلى مقلدة الأوربيين، فإنهم هم الذين أضاعوا الدنيا والدين. وأعجب أمر هؤلاء المتفرنجين أنهم يدعون الاستقلال، ويظنون أنما يهذون به من الشبهات الدينية والاجتماعية ضرب من الاستدلال، فهلم دلائلكم على ما تركتم من هداية، وما استحدثتم من غواية، فإننا لمناظرتكم مستعدون، وكم دعوناكم إليها وأنتم لا تجيبون ؟
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ٤ فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون ٥ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين٦ .
أرشدت الآيات الثلاث السابقة إلى دلائل وحدانية الله تعالى في ربوبيته وألوهيته، وأنها على ظهورها لم تمنع الكافرين من الشرك في الألوهية ؛ وأرشدت إلى دلائل البعث وإلى أنها على قوتها لم تمنع المشركين من الشك فيه ؛ وبينت الثالثة أن الله تعالى المتصف بالصفات التي يعرفونها ولا ينكرونها هو الله في عالمي السموات والأرض، المحيط علمه بكل شيء، فلا ينبغي أن يتخذ معه إلاه فيهما. ولكن المشركين جهلوا ذلك فجوزوا أن يكون غير الرب إلاها وعبدوا معه آلهة أخرى، فبين لهم الوحي الحق في ذلك وأن الله الذي يعترفون بأنه هو رب السموات والأرض وما فيهن هو الإله المعبود بالحق فيهن – ثم أرشدت هذه الآيات الثلاث اللاحقة سبب عدم اهتدائهم بالوحي، وأنذرتهم عاقبة التكذيب بالحق، ويتلو ذلك في الآيات التي بعدهن كشف شبهاتهم على الوحي وبعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون الكلام في أصول الدين كلها وكل السورة تفصيل له.
تفسير المنار
رشيد رضا