{وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا
صفحة رقم 94
منهم ما كانوا به يستهزؤون قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} قوله عز وجل: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ لأن مشركي قريش لما أنكروا نزول القرآن أخبر الله أنه لو أنزله عليهم من السماء لأنكروه وكفروا به لغلبة الفساد عليهم، فقال: ولَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ واسم القرطاس لا ينطلق إلا على ما فيه كتابة، فإن لم يكن فيه كتابة قيل طرس ولم يقل قرطاس. قال زهير بن أبي سلمى:
| (بها أخاديد من آثار ساكنها | كما تردد في قرطاسه القلم) |
ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ أي لا يُمْهَلُون ولا يُؤَخَّرون، يعني عن عذاب الاستئصال. على التأويل الأول، وعن قيام الساعة على التأويل الثاني. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً يعني ولو جعلنا معه ملكاً يدل على صدقه لجعلناه في صورة رجل. وفي وجوب جعله رجلاً وجهان: أحدهما: لأن الملائكة أجسامهم رقيقة لا تُرَى، فاقتضى أن يُجْعَل رجلاً لكثافة جسمه حتى يرى. والثاني: أنهم لا يستطيعون أن يروا الملائكة على صورهم، وإذا كان في صورة الرجل لم يعلموا ملك هو أو غير ملك. وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه ولخلطنا عليهم ما يخلطون، قاله الكلبي. والثاني: لشبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم، قال الزجاج: كما يشبهون على ضعفائهم واللبس في كلامهم هو الشك ومنه قول الخنساء:
| (أصدق مقالته واحذر عداوته | والبس عليه بشك مثل ما لبسا) |