قل لهم يا نبي الله : أرأيتكم أخبروني إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة كان الحسن البصري يقول : بغتة أو جهرة أي : ليلا أو نهارا، وهذا التفسير ليس كما ينبغي، بل التحقيق أن معنى بغتة : أي : أتاكم العذاب في حال كونه باغتا. أي : مفاجئا من أن تعلمونه بأسباب، ولا علم لكم به.
وقوله : جهرة أن يأتيكم العذاب بعد أن تعاينوا أسبابه، وتروا أوائله، حتى يقع بكم جهرة عيانا وأنتم تنظرون إليه.
هذا التحقيق في الفرق بين البغتة والجهرة هنا. إن أتاكم عذاب الله مفاجئا من غير أن يتقدم لكم به علم، أو جهرة بأن عاينتم مبادئه، ورأيتم أول نزوله، حتى وقع جهارا وأنتم تنظرون. هل يهلك إلا القوم الظالمون هذا الاستفهام بمعنى النفي ؛ ولذا جاء مقابلا ب ( إلا ) التي تقابل النفي.
والمعنى : ما يهلك إلا القوم الظالمون الكافرون.
وفي الآية سؤال معروف : جاء في الأحاديث الصحيحة أن العذاب إذا نزل بقوم كفار شمل من فيهم من المسلمين، وهذه الآية بينت أنه لا يهلك إلا القوم الظالمون ؟
أجيب عن هذا : بأن العذاب لو شمل وأهلك من هو معهم، أن هذا الهلاك تمحيص له، وأنه يبعث يوم القيامة في نعمة من الله ورحمة وأجور.
وقال بعض العلماء : لا يتعين هذا كما دلت عليه قصص الرسل ؛ لأن الغالب أن الكلام في الأمم والرسل، والقرآن قد قص علينا أن كل أمة علم الله أن الهلاك سيأتيها أمر نبيها ومن معه فخرجوا منها ونجوا، كما ذكر أنه نجى هودا بقوله : نجينا هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ [ هود : آية ٥٨ ] ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا [ هود : آية ٩٤ ] نجينا صالحا [ هود : آية ٦٦ ] إلى غير ذلك مما جاء مفصلا في الآيات، وهذا يبين معنى قوله : هل يهلك إلا القوم الظالمون [ الأنعام : آية ٤٧ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير