قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين [ الأنعام : آية ٥٨ ].
هذا أمر من الله لنبيه أن يقول للكفار الذين يستعجلون بالعذاب ويقولون له : عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب [ ص : آية ١٦ ] إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [ الأنفال : آية ٣٢ ]، ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحسبه [ هود : آية ٨ ] قل يا نبي الله لهؤلاء المتمردين المتعنتين، الذين يستعجلون بالعذاب تعنتا وعنادا : لو أن عندي ما تستعجلون به أي : العذاب الذي تستعجلون به، لو كان بيدي لعجلته عليكم، وقضي الأمر بيني وبينكم، وسلمت من ذلك لأني على حق، وأهلككم العذاب هلاك استئصال، واسترحت منكم.
وفي هذه الآية الكريمة سؤالان، لطالب العلم أن يسأل عنهما : أحدهما نحوي، والثاني وحيي.
أما النحوي فهو أن يقول طالب العلم : همزة ( أن ) إذا فتحت دلت على مصدر، فهي في محل اسم مفرد ؛ لأنها إن فتحت سدت مسد مصدر، وهذا المصدر – طبعا – معروف أنه اسم، و( لو ) حرف شرط، وحروف الشروط لا تتولى إلا الجمل الفعلية، فلم تولى حرف الشرط اسما، وهو هذا المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها ؟ هذا وجه السؤال.
والجواب عنه : هو ما حققه علماء العربية : أن المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها فاعل فعل محذوف، والفعل المضمر هو الذي يلي حرف الشرط، وتقدير المعنى : لو ثبت أن عندي، لو ثبت كون ما ستطلبونه عندي لعجلته عليكم. ولم يكن بعده إلا فعل، والمصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها فاعل الفعل. هكذا يقولون.
لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر قضاء الأمر هنا كناية عن إنزال العذاب عليهم، واستراحته منهم.
ومن قال : " إن قضاء الأمر هنا معناه ذبح الموت ". فهو غلط ووهم منه ؛ لأن ذلك الذي معناه ذبح الموت هو في آية مريم، وليس في هذه الآية، وهو قوله ( جل وعلا ) في أخريات مريم : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر [ مريم : آية ٣٩ ] فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير آية مريم هذه : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر قال : إذ ذبح الموت وهم في غفلة وهم لا يؤمنون أنذرهم وهم في غفلة وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وذبح الموت. ولا يصح في آية الأنعام هذه هذا التفسير ؛ لأن المعنى هنا : لقضي الأمر بيني وبينكم لعجلت لكم العذاب الذي تطلبونه فهلكتم، ونفذ القضاء بيني وبينكم. ونفوذ القضاء : هو إهلاك الظالم وبقاء المطيع سالما، وهذا معنى قوله : لقضي الأمر بيني وبينكم .
والله جل وعلا أعلم بالظالمين أي : الكافرين الذين يتعنتون ويستعجلون، هو أعلم بهم، عالم من يهديه الله فيتوب، ومن يخذله فلا يتوب، وعالم بالوقت الذي يأتيهم فيه العذاب، وعالم بما يستحقون من العذاب، ووقت مجيئه لهم، وسيكون ذلك على حسب ما سبق في علمه ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله : والله أعلم بالظالمين .
قال بعض العلماء : صيغة التفضيل هنا ليست على بابها ؛ لأن المقرر في علم العربية : أن صيغة التفضيل تدل على مشاركة بين المفضل والمفضل عليه، إلا أن المفضل أكثر في المصدر من المفضل عليه. و ( زيد أعلم من عمرو ) يدل على أنهما مشتركان في العلم، إلا أن المفضل يفضل فيه المفضل عليه. والعلم بالظالمين : بأحوالهم وما يؤولون إليه، ووقت نزول العذاب عليهم، هذا لا يشارك الله فيه أحد، وهذا إنما يعلمه الله وحده ؛ ولذا يقولون : إن صيغة ( أفعل ) هنا بمعنى ( الوصف ) بمعنى : والله عليم بالظالمين، كقوله : إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله لأن هذه لا يشاركه فيها غيره، وقد تقرر في علم العربية، أن صيغة ( أفعل ) قد تأتي مرادا بها الوصف من غير إرادة التفضيل وشواهد ذلك كثيرة في كلام العرب، ومنه قول الشنفرى :
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن
*** بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
يعني ب( أجشع القوم ) : هو العجل منهم، وقول الفرزدق :
| إن الذي رفع السماء بنى لنا | بيتا دعائمه أعز وأطول |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير