ويقول الحق من بعد ذلك :
ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ( ٦٢ ) .
وكلمة ( ردوا ) تفيد أن كان لهم التقاء به أولا، وبعد ذلك سوف يرجعون، كيف ؟ لقد كانوا منه إيجادا ثم ردوا إليه حسابا ثوابا وعقابا ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل :
منها خلقناكم وفيها نعيدكم..................... ( ٥٥ ) ( سورة طه ).
ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق وكلمة ( مولى ) تعني أنه هو الذي يليك، ولا يليك إلا من هو قريب منك. وهذا القريب قد يكون منجدا لك إن حدث لك ما يفزعك وهو الذي يعين، وهكذا أخذت كلمة ( مولى ) معنى القريب، والناصر والمعين الذي تفزع إليه في شدائدك، وقد يوجد لك مولى في الدنيا وهو من الأغيار. ومن الجائز أن يتغير فقلبه عليك، ومن الجائز أن تنالك الأحداث التي هي فوق قدرته وطاقته، ومن الجائز أن يكون لك مولى تنشد وتطلبه لنصرتك فيرفض ؛ لأن خصمك له بهذا المولى ولاء أقوى وأشد فيقف بجانب خصمك وقد يوهمك أنه معك لكن ليس معك.
لكن هناك في الآخرة مولى حق واحد وردوا إلى الله مولاهم الحق وتطلق كلمة ( مولى ) على السيد حين يعتق عبده. وحين يعتقنا ربنا من النار أليس في ذلك أعظم ولاية ؟ إنه المولى الحق، فلا توجد قوة أعلى منه وهو لا يتغير ؛ لأن الأغيار من طبيعة الخلق.
وحين يطلب منك الحق أن تعمل عقلك لأنك حين تعتمد على واحد ينفعك في أمورك فأنت تتوكل عليه، وتطلب مساعدته، وهنا يأمرك الحق بأن تتوكل على الحي الذي لا يموت، ولا تتكل على واحد من الأغيار فقد يصبح الصباح فتجده قد خلا بك وتخلى عنك. أما إذا كان مولاك هو الحق فلن يخذلك.
ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم . ولماذا جاء بكلمة ( الحكم ) هنا ؟ ؛ لأننا في دنيا الأغيار قد يسند سبحانه بعض الأحكام إلى بعض خلقه ؛ فهذا يحكم، وذلك يتصرف، وآخر يصدر قرارا بالتعيينات، وكلها أحكام، أما في الآخرة فالحق يقول :
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ( من الآية ١٦ سورة غافر ).
وأنت في الدنيا تملك، ويكون رزق ابنك – على سبيل المثال – من يدك، وتملك أن تصدر قرارا بترقية من هو أقل منك، وتملك أن تخيط الثواب لغيرك إن كانت تلك مهنتك، ففي الدنيا كل منا يملك بعضا من أسباب الآخر. لكن في الآخرة لا يوجد شيء من هذا :
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ( من الآية ١٦ سورة غافر ).
وساعة تسمع ألا له الحكم ف ( ألا ) في اللغة أداة تنبيه لما يأتي بعدها، ولماذا تأتي أداة التنبيه هنا ؟ لأن الحكم القادم بعدها حكم مهم. والكلام – كما نعرف – واسطة بين متكلم ومستمع ؛ لأن المتكلم ينقل أفكاره وخواطره ومطلوباته إلى السامع. وهو قبل أن يتكلم يدير الأمر في رأسه : أيتكلم أم لا ؟ لكن السامع يفاجأ بكلام المتكلم، والمتكلم قبل أن ينقل خواطره توجد في خياله نسبة ذهنية، أي أنه يعايش مشروع الكلام ويتدبره قبل أن يتكلم، أما السامع فهو يفاجأ، وعندما تريد أن تقول أمر مهما فأنت تحاول أن تضمن انتباه السامع حتى لا تلفت منه أية جزئية من كلامك، فتقول :( ألا ) لتشد انتباه السامع تماما. والحق هنا يقول :( ألا ) ليأخذ انتباه السامع، ويأتي بعدها قوله :( له الحكم ).
إذن : ساعة تسمع ( ألا ) فاعرف أن فيها تنبيها لأمر قادر ألا له الحكم .
والحكم : هو الفصل بين أمرين، ويختلف الفصل بين أمرين باختلاف الحاكم ؛ فإن كان الحاكم له هوى فالحكم ويميل، لكن الفصل بين الأمرين يجب أن يكون بلا هوى، فالحكم بالميزان يقتضي أن تكون له كفة هنا وكفة تقابلها، وساعة ما نضبط الميزان نحاول أن نوازن الكفتين لنفصل بين مسألتين ملتحمتين، ومادمنا نريد التساوي فنحن نسمي ذلك : الإنصاف، أي أن نقف في النصف دون ميل أو حيف.
ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين وساعة يسمع إنسان ألا له الحكم فالواحد منا يعلم أنه سبحانه يحكم بين الخلق بداية من آدم إلى أن تنتهي الدنيا، وكل واحد منا تتشابك مسائله مع غيره، ومادام لله الحكم فليس لغيره معه حكم، ويحكم بين الخلق جميعا وفعله لا يحتاج إلى زمن، ونتذكر هنا الإمام عليا – كرم الله وجهه – حين قالوا له : كيف يحاسب ربنا الناس جميعا في وقت واحد، وبمقدار حلب شاة كما قال بعضهم ؟ فقال الإمام علي :( كما يرزقهم في وقت واحد يحاسبهم في وقت واحد )، وهذه مسألة سهلة ليس فيها أدنى صعوبة أبدا. وقديما عندما كانوا ينيرون الطرقات كانوا يشعلون المسارج : هنا مسرجة، وهناك مسرجة وعلى البعد مسرجة ثالثة، وكان الوقاد يمشي ليشعل المسارج.... الخ، وارتقى العقل البشري المخلوق لله واستطاع أن ينير الطرقات بالطاقة الكهربائية أو الطاقة الشمسية وفي وقت واحد.
تفسير الشعراوي
الشعراوي