(ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)
* * *
وإنه بعد أن يموتوا يردون إلى الله تعالى معروضة أعمالهم محصاة إحصاء دقيقا يردون إلى الله تعالى مولاهم الحق، وفي هذا النص بضعة مباحث نشير إليها ففيها تقريب لمعنى النص الكريم.
أولها - التعبير بـ " ثم "، والتراخي هنا لبيان مكانة الحساب والرد على الله تعالى؛ لأن الالتقاء بحساب الله أمر ذو خطر عظيم لما كانوا يفعلون غير متوقعين بعد ذلك من وقائع تزلزل قلوب الفاسقين، وتطمئن لها قلوب المؤمنين.
وثانيها - أنه عبر عن الرد للحساب بالرد لله تعالى ذي الجلال، وذلك يشير إلى خطورة الأمر، ودقة الموقف، وجلال الحساب.
وثالثها - أن الله تعالى عبَّر عن ذاته الكريمة، أنه مولاهم الحق، أي ذو الولاية الحق، فلا ولاية لمن اتخذوهم أولياء، بل إنهم ينسونهم، وينكرونهم، كما قال تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ...)، و (الحق) يصح أن نقول إنها وصف لمولاهم، أي هو الولي الحق الذي لَا يصدق على غيره أنه ولي قط، أو نقول إنها بالحق الثابت وبالعدل الذي لَا يظلم ربك فيه أحدا.
وقوله تعالى: (أَلا لَهُ الْحُكْمُ)، " ألا " فيه للتنبيه وتقديمه له على الحكم للإشارة إلى أنه وجد له الحكم، ولا حكم لأحد سواه فليترقبوا جزاء ما عملوا، والحساب قائم ومؤكد؛ ولذا قال من بعد: (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) أي أنه لَا يوجد حاسب في سرعة حسابه وهذا يؤكد الحساب وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِر أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ...). ويثبت أن حساب الله سريع؛ لأن الله يعلم كل شيء قبل أن يقدموا عليه إن الله بكل شيء عليم.
* * *
(قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)
* * *
فى الآيات السابقة بين الله سبحانه وتعالى عموم علمه، ما خفي منه وما ظهر، وما جدَّ وما يجد، حتى إن الورقة تسقط يعلمها، والحبة تنبت فتكون في علمه بكونها وحالها، يعلم الرطب واليابس من الثمرات، وهو الذي نظم الوجود بمقتضى هذا العلم المحيط، هو الذي يعلم الوفاة بالليل، والصحو بعد، وما يكسب بالنهار من خير نافع، وشر ضار، وأنه المسيطر على كل شيء، وأن المرجع والمآب إليه، وعنده الحساب السريع، والحكم العادل.
وفى هذه الآيات، يبين نعم الله تعالى عليهم، إن ادلهمت بهم كارثة يضرعون إليه، وبين أنه إذ كان هو وحده الملجأ عند الكارثة تكرثهم فهو القادر على أن ينزل بهم البأساء والضراء، ومع هذه النعم السالفة، ومظاهر القدرة الباهرة يكذبون بالحق إذ جاءهم، وأنباء الرسالة ثابتة مستقرة لَا تتخلف، وأنه إذا كان الناس فيهم أطهار وأشرار، فعلى الأطهار ألا يخوضوا في فتن الأشرار، وقد ابتدأ سبحانه بقوله:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة