ويقول الحق من بعد ذلك :
لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ( ٦٧ ) .
والنبأ هو الخبر المهم، فليس كل خبر نبأ، ذلك أن هناك المثير من الأخبار التافهة التي يتساوى فيها العلم الذي لا ينفع بالجهل الذي لا يضر. ومثال على الخبر المهم هو قوله الحق :
عم يتساءلون ( ١ ) عن النبأ العظيم ( ٢ ) الذي هم فيه مختلفون ( ٣ ) ( سورة النبأ ).
إذن فلكل نبأ مستقر، والمستقر هو ما طلب القرار فيه، والنبأ مظروف والمستقر مظروف فيه. والمظروفية تنقسم قسمين : مظروفية زمان، ومظروفية مكان. أي أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل حدث زمانا ومكانا يقع فيهما الخبر. وسوف يعلم الإنسان مستقر كل خبر عندما يأذن الحق بميلاد هذا المستقر الذي يعلن فيه الخبر.
النبأ – إذن – هو الخبر العظيم المدهش، ولا أعظم من تجلي السماء على الأرض بمنهج جديد ينقذها مما هي فيه من ضلال، وهو منهج عام لكل زمان ولكل مكان. أذن هو نبأ عظيم ؛ لأنه يخلص دنيا الناس من جبابرة الأرض، ويلفت كل الناس إلى منهج يخرجهم جميعا من أهوائهم. فلا أضر بالمجتمع من أن يتبع كل إنسان هواه ؛ لأن هوى كل نفس يخدم شهواتها، والشهوات متضاربة، فإذا حكم كل إنسان هواه فلن تجد الأرض قضية متفقا عليها. ولذلك تكفل الحق سبحانه وتعالى للإنسان بمسألة تنظيم المنهج وهو الأمر الذي تختلف فيه الأهواء. وأما الأمر الذي تلتقى فيه الأهواء وهو استنباط ما في الأرض من كنوز واستكشاف ما في الكون من أسرار فقد تركه للإنسان ليستنبطه بالعقل الذي خلقه الله، من الكون الذي خلقه الله، وليسعد الإنسان بتلك الأسرار التي يستكشفها في الكون.
ويؤكد لنا واقع الحياة هذه القضية، ونجد طموح العقل البشري عندما فكر في مادة الكون استنبط منها الأسرار وأنجز الكثير من الاكتشافات العلمية. ولم تختلف الدول والمعسكرات في تلك المجالات، بل التقت كل الأهواء عند هذه الاكتشافات، فلا توجد – كما قلنا – كهرباء روسية وأخرى أمريكية، ولا نجد ( كيمياء انجليزية ) وأخرى ( فرنسية )، لذلك تجد الأنظمة السياسية والاجتماعية على اختلافها تلتقي في مجالات العلم وتتفق ولا تختلف حتى إن بعضها قد يسرق من البعض الآخر ما توصل إليه. ونجد في علام المادة والمعمل والتجربة اختلافات بين نظام سياسي ونظام آخر، بل تلتقي الأهواء عند القوانين المكتشفة والمأخوذة من مادة الكون، وهو الأمر الذي تركه الله للناس ليكونوا أحرارا فيه، يفكرون، وينظرون، ويتأملون، ويبتكرون، ويصلون إلى أسرار في الكون تخفف عنهم تبعات الحياة، وتؤدي لهم غايات السعادة في الوجود بأقل مجهود.
ولكننا نجد الصراع العنيف على الجانب الآخر – جانب المبادئ والمنهج – وهو صراع لا يهدأ أبدا ؛ لأنه صراع الأهواء فيها لم تحكمه تجربة مادية، وهم يختلفون خلافات عميقة، الرأسمالية تختلف عن الاشتراكية، وتتنوع الخلافات بين كافة المذاهب التي أنتجتها الأهواء : الشيوعية، والوجودية، والاشتراكية، الرأسمالية، وكل هذه المسائل لم تحكمها تجربة أو معمل لذلك كان الخلاف. ومن المؤسف أن البشر قد استغلوا ما اتفقوا فيه من ابتكارات علمية في فرض النظم التي اختلفوا عليها.
وقد أوضح الحق سبحانه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأمر ؛ إنه جل وعلا قد ترك عقول البشرية حرة في كل ما يخضع للتجربة، ولكنه نظم حياة الإنسان على الأرض في ضوء المنهج الإيماني ؛ لأن الإسلام جاء في أثر ديانة حاول القائمون على أمرها من الكهنة أن يفرضوا سيطرة الكهنوت على العقل البشري في أسرار الكون.
والمثال على ذلك واضح تماما في التاريخ البشري، ففي العصر الذي تأخرت فيه أوروبا وسمى ( عصر الظلمات ) كان المسلمون في الشرق بإتباعهم لمنهج الله يعيشون. في عصر النور ؛ لأن الإسلام علمهم مجال استعمال العقل وقدراته على استنباط أسرار الله في الكون، وجاء سبحانه بهذا الدين وهو النبأ العظيم ليوضح لنا في مسيرة هذا الدين كل عبرة، وكأنه يقول لنا :
إن هذا الدين قد بدأ ضعيفا والذين آمنوا به قلة مستضعفين لا يستطيعون حماية أنفسهم بل تلمسوا الحماية وطلبوها عند ملك غريب في الحبشة، وعلى الرغم من ذلك انتصروا لأنهم أخذوا بهذا الدين.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم مقاله ربه :
لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ( ٦٧ ) ( سورة الأنعام )
ومعنى ( مستقر ) أي ميلاد يستقر فيه. أي لا تتعجلوا الأحداث، ولا تجهضوها ؛ فإن شاء الله سيكون لهذا الدين انتشار، وهذا الانتشار له ميلاد في زمان وميلاد في مكان، أما زمانه فإلى أن تقوم الساعة، وأما مكانه فالأرض كلها ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء رسولا للناس كافة، وخاتما للنبيين والمرسلين.
ويؤيد الحق سبحانه قضية لكل نبإ مستقر بأن يشهد الواقع من الحقائق ما يؤكد ذلك. ومثل ما حدث في زمن القريب المعاصر لميلاد الدعوة الإسلامية فحينما جاء الإسلام آمن به قلة مستضعفة، ولما نزل قوله سبحانه :
سيهزم الجمع ويولون الدبر ( ٤٥ ) ( سورة القمر )
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أي جمع هذا الذي سيهزم ويولون الدبر ونحن لا نستطيع حماية أنفسنا ؟ فلما جاء يوم بدر ورأى مصارع القوم كما قالها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلاغا عن الله قال عمر بن الخطاب : صدق الله، لقد هزم الجمع وولوا الدبر. ونجد كل قضية قرآنية محفوظة ومسجلة في السطور، يحفظها الله حتى لا يكون للناس على الله حجة ؛ لأنه سبحانه القائل :
لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ( ٦٧ ) [ سورة الأنعام ].
فلو لم يكن الواقع يؤيد أن لكل نبأ مستقرا، ولكن حدث ميلادا زمانا ومكانا، فماذا يظن الناس الذين يستقبلون القرآن ؟ لذلك أتى الحق بكل قضية قرآنية ومعها دليلها، وأعطى الحق بعضا من الحقائق الموثقة بالأحداث زمانا ومكانا ليتأكد قوله الحق :
لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ( ٦٧ ) [ سورة الأنعام ].
وقد علمت الدنيا وانتصر الإسلام. لقد شاء الحق أن يربي حامل الدعوة الأول – عليه الصلاة والسلام – يعلم معه صاحبته رضوان الله عليهم، يعلمهم منطقا ليسايروا به أحداث الكون.
ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى كان ينزل الرسل بالأديان على فترات، وعندما يعم الفساد في الأرض ينزل الحق منهجه على رسول ليهدي الناس إلى الصراط المستقيم ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى جعل في كل نفس بشرية تعادلا ذاتيا، فإذا اشتهى الإنسان شهوة يحرمها الدين، وقضى الإنسان هذه الشهوة، وهدأت شرة وحدة المعصية في نفسه، فالإنسان يؤنب نفسه ويوبخها. ولكن النفس قد تستمرئ الشهوات، وينعدم الوازع الذي يردع الإنسان.
وإذا انعدم الوازع في فرد فلن ينعدم في المجتمع، ونجد من الناس من يحمل المجتمع على المعروف، ويوجه صاحب النفس التي استمرأت المعصية إلى التوبة والخير. أما إذا عم الفساد في الفرد وفي المجتمع فماذا يكون الموقف ؟.
لابد أن تتدخل السماء برسول جديد، ومنهج جديد. ويأتي الرسول الجديد ومعه المنهج اللازم لإصلاح الكون. ولا يتبع الرسول الجديد إلا المستضعفون القلة، وأهل البصيرة من أهل القوة حتى لا يظن ظان أن الضعفاء لاذوا بالدين ومالوا إليه بسبب ضعفهم. ويحذر الحق المؤمنين وكأنه يقول : إنكم تواجهون باطلا عض الناس وأرهقهم وأعنتهم، وحين يعض الباطل المجتمعات فالذي ينتفع من ذلك هم أهل الباطل، والذي يشقى بذلك هم أهل الحق، فلكل فساد طبقة منتفعة به. وحين توجد الطبقة المنتفعة بالفساد. وحين توجد كلمة الحق فإن المنتفعين بالفساد ينظرون إلى نفوذهم الذي سينحسر حتما عندما تسود كلمة الحق.
وحين ينتصر الحق لابد أن يزول الفساد ومعه كل نفوذ أهل المفاسد. ولذلك يقف المنتفعون من الفساد ضد الدين الجديد ليحافظوا على مكانتهم في المجتمع. ويقول الحق تهذيبا للمؤمنين، وتأديبا لغير المؤمنين :
إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ( ٦٧ ) .
وبهذا القول يوضح الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم : اعلم أن ما جئت به سيخاض فيه، ويقال مرة إنه سحر، ومرة إنه شعر، وثالثة إنه كهانة، ورابعة يتهمونك بالكذب، ولا يقول ذلك إلا المنتفعون بفساد الكون، فإذا ما جاء مصلح فسيجعلونه عدوا لهم. لذلك لا بد أن تحافظ على أمرين.... الأمر الأول : أن الذين اتبعوك – وهم ضعاف – قد لا يستطيعون مواجهة القوة الظالمة ؛ لذلك لا تحملهم ما لا طاقة لهم به ولكن تريث ؛ فإن لكل نبأ مستقرا، والأمر الثاني : أنك إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم وبين لهم الجفوة فلا تقبل عليهم، ولا توادهم، ولا تستمع إليهم، ولا يسمع إليهم أصحابك، لماذا ؟ لأنهم يخوضون في آيات الله. ولكن أيستمر هذا الإعراض عنهم طوال الوقت ؟، لا، فالإعراض عنهم إنما يكون في أثناء خوضهم وتكذيبهم لآيات الله، أما في غير ذلك من الأوقات فاعلم أن آذانهم في حاجة إلى سماع صيحة من الحق، لذلك انتهز فرصة عدم خوضهم في دينك وفيك، ولقنهم ما تبشر به، ولقنهم كذلك ما تنذر به ؛ لأنك إن تركتهم على ضلالهم فإن قضية الإيمان تصير بعيدة عنهم، وأنت مهمتك البلاغ، والله يريد الخير لكل خلقه.
تفسير الشعراوي
الشعراوي