ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ( من الآية ٦٧ سورة الأنعام ).
وكلمة ( الخوض ) هذه تشعرنا بمعنى في منتهى الدقة ؛ لأن الخوض في أصله هو الدخول في الماء الكثير. والماء الكثير ساتر لما تحت قدمي الذي يخوض فيه، ومادام قد ستر ما تحت قدميه فهو لا يدري إلى أي موقع تقع قدماه، وربما وقعتا في هوة، لكن الذي يسير في غير ماء فالطريق واضح أمامه، يضع قدمه حيث يرى فيها ثباتا واستقرارا وعدم إيذاء. وأخذوا من ذلك المعنى وصف الكلام بالباطل، لأنه خوض بدون اهتداء. ولذلك يقول الحق :
ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( من الآية ٩١ سورة الأنعام )، ولماذا وصف فعلهم هذا بأنه لعب ؟.
ذلك لأن اللعب هو شغل النفس بشيء غير مطلوب وكان في قالب الجد. ولكن إذا كان هذا الشيء يؤدي إلى نبوغ في مجال من مجالات الحياة فنحن ندرب أبناءنا عليه في فترة ما قبل البلوغ. مثال ذلك تدريب الأبناء على السباحة والرماية وركوب الخيل. وما إن يبلغ الإنسان فترة البلوغ حتى تصير له مهمة في الحياة، ويصبح عليه أن يتحمل المسئولية، فلا يضيع وقته في اللعب أو فيما يلهيه عن أداء الواجب.
وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ( من الآية ٦٧ سورة الأنعام ).
والنفس البشرية لها أغيار. وهذه الأغيار قد تنسيها بعض التوجهات. لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعود من ربه بعدم النسيان.
سنقرئك فلا تنسى ( ٦ ) ( سورة الأعلى )
فإذا كان هذا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف نفهم قول الحق هنا :
وإما ينسيك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ( من الآية ٦٨ سورة الأنعام )
إننا نفهم هذا القول على أساس أنه تعليم لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحينما ينزل أمر من السماء فرسول الله أولى الناس بتطبيقه، فإذا كان الرسول يخاطب : وإما ينسيك الشيطان فإذا ما نسى إنسان لغفلة من الغفلات، فليأخذ علاج الله للنسيان، وهو ألا يقعد مع هؤلاء القوم الذين يخوضون في آيات الله في أثناء خوضهم، ولكن عليه أن يتركهم ويعرض عنهم. إذن فالحق سبحانه وتعالى احترم خلقه ؛ لأنه وهو العليم بهم، خلق لكل إنسان ملكة حافظة، وملكة ذاكرة، وملكة مخيلة، وكل ملكة من هذه الملكات تؤدي مهمة : فالملكة الحافظة تحفظ المعلومات، والذاكرة تأتي بالمعلومات المحفوظة القديمة لتجعلها في بؤرة الشعور. ولو لم يكن هناك نسيان لما استطاعت فكرة أن تدخل في ذهن الإنسان ؛ لأن العقل لا ينشغل إلا بقضية واحدة في بؤرة الشعور. وحتى تدخل قضية أخرى في بؤرة الشعور، لا بد أن تتزحزح القضية الأولى من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور.
لذلك لابد من نسيان خاطر ما ليحل محله خاطر آخر. ولو ظل الإنسان ذاكرا لقضية من القضايا في نفسه لصار من المحال أن تدخل قضية جديدة أخرى. ولهذا خلق الله النسيان، أي انتقال قضية ما من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور. والإنسان منا يتذكر شيئا حدث من عشرين عاما، ثم يمر هذا الحادث بالخاطر فجأة، ويتساءل الإنسان، كيف ؟ ويعرف الإنسان أن هذا الحادث كان محفوظا ومصونا في دوائر شعورية بعيدة. ولذلك نجد الإنسان عندما يريد استعادة معنى من المعاني فهو يترك لنفسه فرصة لاستعادة هذا الخاطر أو ذلك المعنى، ولذلك يسمون هذه المسألة ( تذكر ).
وإما ينسيك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ( من الآية ٦٨ سورة الأنعام )
ولماذا ينسب الحق النسيان للشيطان ؟، لأن حقائق الحق في دينه هي الصدق، ولا يصح أن تغيب أبدا عن بال المؤمن، وهي لا تغيب عن بال المؤمن إلا بعمل الشيطان، فالشيطان يزين الأمر الذي يحبه الإنسان ويشغله عن أمر آخر، فإذا ما نزغ الشيطان لينسى الإنسان، وتذكر الإنسان أن هذا من نزغ الشيطان فليستعذ بالله من الشيطان ولا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.
وأنت حين تفعل ذلك وتنفر من هؤلاء القوم الظالمين فأنت تلفتهم إلى أن ما عندك من يقين إيماني هو أعز عندك مما في مجالسهم من حديث وما يكون لديهم من نفع. وبذلك تنتفع أنت بهذه التذكرة وهم أيضا يلتفتون إلى أهمية الإيمان وأفضليته عند المؤمن على ما عداه.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير