ثم حذر من صحبة أهل الخوض، فقال :
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَاكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ .
يقول الحقّ جلّ جلاله : وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا أي : القرآن ؛ بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها فأعرض عنهم ولا تجالسهم، بل قُم عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره أي : غير القرآن، وإما يُنسينكَ الشيطانُ النهيَ عن مجالستهم، وجلست نسيانًا، فلا تقعد بعد الذكرى أي : بعد أن تذكر النهي، مع القوم الظالمين ، ونسبة النسيان إلى الشيطان أدبًا مع الحضرة، قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ [ النِّساء : ٧٨ ]، ووضع المظهر موضع المضمر، أي : معهم، للدلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم.
سورة الأنعام
مكية غير ست آيات أو ثلاث، وقال الكلبي : الأنعام كلها مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة في فنحاص اليهودي، وهي : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى [ الأنعام : ٩١ ] مع ما يرتبط بهذه الآية.
وهي مائة وخمس وستون آية، قاله البيضاوي. قال ابن عباس : نزلت سورة الأنعام وحولها سبعون ألف ملك، لهم زجل يجأرون بالتسبيح ). وقال كعب :( فاتحة الأنعام وهي فاتحة التوراة ؛ { الحمد لله... إلى ... يعدلون [ الأنعام : ١ ]، وخاتمة التوراة خاتمة هود ؛ وما ربك بغافل عما تعملون [ هود : ١٢٣ ]. وقيل خاتمتها : الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا... إلى ... تكبيرا [ الإسراء : ١١١ ]. وقال سيدنا علي –كرم الله وجهه- :( من قرأ سورة الأنعام فقد انتهى في رضا ربه ). قاله ابن عطية.
ومناسبتها لما قبلها : الاستدلال على قدرته تعالى التي ختم بها ما قبلها، ومضمنها : التعريف بالذات المقدسة، دلالة وعيانا، والاستدلال على وحدانيتها وما يجب لها من صفات الكمال، والرد على طوائف المشركين، وذم أحوالهم وأفعالهم، ومدح أهل التوحيد من العارفين أو المؤمنين، قال الشيخ زروق رضي الله عنه في شرح الرسالة : ما ذكره الشيخ ابن أبي زيد، في عقائد رسالته، هو ما تضمنته سورة الأنعام. ه. بالمعنى.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي