ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

وجعل لهم أجلا في الحياة ثم أجلا للبعث والحساب. ثم أنذرتهم بأنهم سوف يرون تحقيق ما أوعدوا به جزاء استهزائهم بآيات الله وتكذيبهم لها، وذكرتهم بالأمم التي من قبلهم والتي أهلكها الله لمثل ذلك السبب وكانت أقوى منهم قوة وتمكينا.
والآيات مقدمة استهلالية بين يدي حكاية بعض أقوال ومواقف الكفار، وروحها تلهم أن الكفار كانوا يعترفون بالله وكونه صاحب الأمر في الكون، وأنهم كانوا يعرفون خبر الأمم السابقة التي أهلكها الله لمواقفهم من رسله وآياته، وبهذا وذاك تبدو قوة الحجة والإلزام في الآيات وهذا وذاك مما قررته آيات وفصول قرآنية كثيرة مرت أمثلة عديدة منها.
ولقد قال بعض المؤولين على ما رواه البغوي إن جملة وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ تعني الكفر والإيمان غير أن الجمهور على أنها تعني الليل والنهار وهو الأوجه المتساوق مع روح الآيات هنا وفي مكان آخر. وإن كان القرآن استعمل في آيات أخرى هذه الجملة لذلك المعنى كما جاء في آية سورة إبراهيم هذه:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [١] وتكرر هذا في غير سورة.
والمؤولون يصرفون تعبير خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ إلى خلقه آدم الأول الذي ذكر بأنه خلقه من طين ومن تراب في آيات عديدة أخرى مرّ بعضها في السور التي سبق تفسيرها. غير أن ورود التعبير بضمير الجمع المخاطب لا بد له من حكمة وقد يكون من ذلك تذكير السامعين من بني آدم بأصل خلقتهم وقدرة على خلقهم وبعثهم ثانية حين ينقضي الأجل المعلوم.
[سورة الأنعام (٦) : آية ٧]
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)
(١) قرطاس: الورق أو ما يقوم مقامه للكتابة من مواد مصنوعة. وجملة الجزء الرابع من التفسير الحديث ٥

صفحة رقم 65

كِتاباً فِي قِرْطاسٍ تعني قرطاسا مكتوبا عليه كتابة.
في الآية وصف لشدة عناد الكفار وتكذيبهم حتى لو أنزل الله تعالى على النبي ﷺ قرطاسا عليه كتابة فلمسوه بأيديهم لقالوا إن هذا سحر وليس حقيقة.
ولقد روى بعض المفسرين «١» أن الآية نزلت جوابا لتحدي بعض زعماء الكفار حيث قالوا للنبي ﷺ إنهم لن يؤمنوا حتى ينزل عليه كتاب في قرطاس ومعه أربعة من الملائكة يشهدون على صحة صدوره من الله وعلى صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.
والرواية لم ترد في الصحاح ولكن القرآن حكى مثل هذا التحدي عن زعماء كفار قريش في سورتي المدثر والإسراء. حيث جاء في الأولى هذه الآية: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) وحيث جاء في الثانية: أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [٩٣] والذي يتبادر لنا من نظم الآية وعطفها على ما سبقها أنها جاءت مع الآيات السابقة واللاحقة لها سياقا واحدا بسبيل تصوير كون مواقف ومطالب الكفار هي عنادا وليست رغبة في القناعة عن حسن نية. وهذا لا يمنع أن يكون انطوى في الآية جواب على تحدّ وقع من الكفار في ظروف نزولها. ويكون الجواب في هذه الحالة من نوع الأجوبة السلبية التي تكررت في القرآن واقتضتها حكمة الله بعدم الاستجابة لتحدي الكفار كلما طالبوا النبي ﷺ بمعجزة على ما شرحناه في مناسبات سابقة.
تعليق على كلمة «قرطاس»
وبمناسبة ورود كلمة قرطاس لأول مرة نقول إن من المفسرين من قال إنه الورق ومن قال إنه الصحيفة ومن قال إنه الكاغد «٢». وقد وردت الكلمة في القرآن

(١) انظر تفسيرها في تفسير الطبرسي والخازن والبغوي.
(٢) انظر تفسير الآيات في تفسير الخازن والطبرسي وابن كثير مثلا.

صفحة رقم 66

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية