قوله : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْر مُبِين في هذه الجملة بيان شدّة صلابتهم في الكفر، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل الله على رسوله كتاباً مكتوباً في قرطاس بمرأى منهم ومشاهدة فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ حتى يجتمع لهم إدراك الحاستين : حاسة البصر، وحاسة اللمس لَقَالَ الذين كَفَرُواْ منهم إِنْ هذا إِلاَّ سِحْر مّبِين ولم يعملوا بما شاهدوا ولمسوا، وإذا كان هذا حالهم في المرئيّ المحسوس، فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة ملك، لا يرونه، ولا يحسونه ؟ والكتاب مصدر بمعنى الكتابة، والقرطاس : الصحيفة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ قال : فمسوه ونظروا إليه لم يصدقوا به.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأُبيّ بن خلف بن وهب، والعاص بن وائل بن هشام : لو جعل معك يا محمد ملك يحدّث عنك الناس ويرى معك، فأنزل الله : وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَك الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَك قال : ملك في صورة رجل وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأمر لقامت الساعة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله : لَقُضِيَ الأمر يقول : لو أنزل الله ملكاً ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً قال : ولو أتاهم ملك في صورته لَقُضِيَ الأمر لأهلكناهم ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ لا يؤخرون وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً يقول : لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل. لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وللبسنا عليهم ما يلبسون يقول : لخلطنا عليهم ما يخلطون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا قال في صورة رجل في خلق رجل.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله : وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً يقول : في صورة آدميّ. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم يقول : شبهنا عليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في الآية قال : شبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق قال : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزأوا به فغاظه ذلك، فأنزل الله : وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ من قَبْلِكَ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئونَ .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني