تفسير المفردات : توجيه الوجه لله تعالى : تركه يتوجه إليه وحده في طلب حاجته وإخلاص عبوديته، وفطر السماوات والأرض : أخرجهما إلى الوجود لا على مثال سابق والحنيف : المائل عن الضلال.
وبعد أن تبرأ من شركهم قفى تلك البراءة ببيان عقيدته عقيدة التوحيد الخالص فقال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . الإيضاح : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين أي إني جعلت توجهي في عبادتي لمن خلق السماوات والأرض وأكمل خلقهن أطوارا في ستة أيام، فهو خالق هذه الكواكب النيرات وخالقكم وما تصنعون منه هذه الأصنام من معدن ونبات.
وفي معنى الآية قوله : ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا [ النساء : ١٢٥ ] وقوله ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى [ لقمان : ٢٢ ].
وإسلام الوجه له تعالى : توجه القلب إليه، وعبر عنه به لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال أو الإعراض، والسرور أو الكآبة، إلى نحو أولئك. وتوجيهه له جعله يتوجه إليه وحده، في طلب حاجته وإخلاص عبوديته، إذ هو المستحق للعبادة، والقادر على الأجر والثواب.
والخلاصة : إن إبراهيم تبرأ أولا من شركهم أو شركائهم ثم تبرأ منهم أنفسهم. ونحو الآية قوله تعالى : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم [ الممتحنة : ٤ ].
روى ابن جرير عن ابن زيد أن قوم إبراهيم قالوا حين قال إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض : ما جئت بشيء ونحن نعبده ونتوجه إليه، فرد عليهم بأنه حنيف : أي مخلص له لا يشرك به كما يشركون اه.
يريد أنه مائل عن معبداتهم الباطلة وعن غيرها، فتوجهه وإسلامه خالص، لا يشوبه شرك ولا رياء، وما هو من المشركين به الذين يتوجهون إلى غيره من المخلوقات كالكواكب أو الملائكة أو الملوك أو الصالحين أو ما يتخذ لهم من الأصنام والتماثيل.
وظاهر ما حكاه الله عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم : أن قومه كانوا يتخذوا الأصنام آلهة لا أربابا ويتخذون الكواكب أربابا آلهة، والإله هو المعبود وكل من عبد شيئا فقد اتخذه إلها، والرب : هو السيد المالك المربي المدبر المتصرف، وليس للخلق رب ولا إله إلا الله الذي خلقهم، فهو المالك لكل شيء وفي كل زمن وعلى كل حال، وملك غيره ناقص موقوت فهو المعبود بحق، والعبادة : هي التوجه بالدعاء والتعظيم القولي أو العملي إلى ذي السلطان الأعلى خالق الخلق والموجد له و المتصرف فيه.
والأصل في اختراع عبادة غير الله من حجر أو شجر أو شمس أو قمر أمران :
( ١ ) إن بعض ضعاف الأحلام رأوا بعض مظاهر قدرته تعالى في بعض خلقه، فتوهموا أن ذلك ذاتي لهذا المخلوق ليس خاضعا لسنن الله في الأسباب والمسببات.
( ٢ ) اتخاذ بعض المخلوقات ذات الخصوصية في مظاهر النفع والضر وسيلة إلى الإله الحق تشفع عنده وتقرب إليه كل من توجه إليها، فيتوسل ذو الحاجة إليها بدعائها وتعظيمها بالقول أو بالفعل لحمله تعالى بتأثيرها على قبوله وإعطائه سؤله.
وقد أقاموا مقام هذه المخلوقات : التماثيل والأصنام والقبور وغيرها مما يذكر بها، وهذه هي الوثنية الراقية التي كانت عليها العرب زمن البعثة، ومن ثم كانوا يقولون في طوافهم بالبيت الحرام : لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.
وكان قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد ارتقوا في وثنيتهم إلى هذه المرتبة، إذ أنهم عقلوا أن الأصنام لا تسمع دعاءهم ولا تبصر عبادتهم ولا تقدر على نفعهم وضرهم، وإنما قلدوا فيها آباءهم كما سيأتي في حججهم في سورة الشعراء، ومن ثم اتخذوا الأصنام آلهة معبودين لا أربابا مدبرين، لكنهم اتخذوا الكواكب أربابا لما لها من التأثير السببي في الأرض، فكانوا يعتقدون أن الشمس رب الناس، والقمر يدبر الملوك ويفيض عليهم روح الشجاعة والإقدام وينصر جندهم ويخذل عدوهم، ويعتقدون أن ( مرداخ ) وهو المشتري شيخ الأرباب ورب العدل والأحكام وحافظ الأبواب التي يدخلها الخصوم لفصل الخصومات، وأن ( رنكال ) وهو المريخ رب الصيد وسلطان الحرب، وأن ( عشتار ) وهي الزهرة ربة الغبطة والسرور والسعادة وتمثل بصورة امرأة عارية، وأن ( نيو ) وهو عطارد رب العلم والحكمة.
وجاء إبراهيم بحجته البالغة، فحصر العبادة في فاطر السماوات والأرض وحده دون غيره من الوسائل فقال في تماثيلهم : بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين [ الأنبياء : ٥٦ ].
تفسير المراغي
المراغي