ثم قال : إني وجهت وجهي [ الأنعام : آية ٧٩ ] أي : أخلصت عبادتي وقصدي للذي فطر السماوات والأرض للقادر النافع الضار الذي هو الخالق الرازق. وقوله : للذي فطر السماوات والأرض يشير به إلى أن علامة استحقاق العبادة شيء واحد، والعلامة لمن يستحق العبادة شيء واحد، وهو أنه الذي يخلق ويبرز من العدم إلى الوجود، فمن يبرزك من العدم إلى الوجود هذا ربك الذي يستحق أن تعبده، ومن لا يقدر على إبرازك من العدم إلى الوجود فهو عبد مربوب محتاج إلى خالق يعبده مثلك ؛ ولذا قال تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم [ البقرة : آية ٢١ ] وقال : أفمن يخلق كمن لا يخلق [ النحل : آية ١٦ ] لا والله أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء [ الرعد : آية ١٦ ] وخالق كل شيء هو المعبود وحده.
ومعنى : فطر السماوات والأرض [ الأنعام : آية ٧٩ ] فطرهما يعني : خلقهما واخترعهما على غير مثال سابق. ف( الفطر ) معناه : الاختراع والابتداع على غير مثال سابق، روي عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) أنه قال : ما كنت أتحقق حقيقة معنى فاطر السماوات والأرض [ الأنعام : آية ١٤ ] حتى اختصم إلي أعرابيان في بير، فقال أحدهما : إنها بيري، وأنا الذي فطرتها. يعني : اخترعتها، وابتدأت حفرها. فعلمت أن العرب تطلق هذا على اختراع الفعل وابتدائه. وهذا معنى قوله : إني وجهت وجهي أي : أخلصت عبادتي وقصدي للذي خلق السماوات والأرض.
فطر السماوات والأرض أي : خلقهما وابتدعهما بما فيهما.
حنيفا أي : حال كوني حنيفا، أي : مائلا عن الدين الباطل إلى دين الحق، أصل الحنيف :( فعيل ) من ( الحنف ) بفتحتين، و( الحنف ) أصله في لغة العرب أن يميل مقدم الرجل اليمنى إلى جهة اليسرى، ويميل مقدم الرجل اليسرى إلى جهة الرجل اليمنى، فيقال للرجل :( أحنف )، وللمرأة :( حنفاء ). وقد كان كذلك الأحنف بن قيس المشهور، وقد قالت أمه ترقصه وهو صغير :
| والله لولا حنف برجله | ما كان في فتيانكم من مثله |
وما أنا من المشركين [ الأنعام : آية ٧٩ ] يعني في قوله : هذا ربي [ الأنعام : آية ٧٦ ] لست أشرك بربي شيئا، ولا أعتقد ربوبية كوكب، ولا شمس، ولا قمر. هذا هو الظاهر في هذه الآيات الكريمة أن نبي الله إبراهيم مناظر لا ناظر، وأنه يريد بهذا التنزل : التوصل إلى إفحام خصومه بدليل قوله :
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير