وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ٩١ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ٩٢
ختم الله سبحانه سياق قصة إبراهيم مع قومه بذكر هداية بعض الرسل من أهل بيته وذريته تمهيدا بذلك إلى بيان كون رسالة خاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جنس رسالتهم، وكون هدايته متممة ومكملة لهدايتهم، ومن ذلك أنه لا يسأل على تبليغ هذا القرآن أجرا، ولا يرجو من غير الله عليه فائدة ولا نفعا، وقفى على ذلك بالردة على منكري الوحي، وبيان أنهم ما قدروا الله حق القدر، وتفنيد ما عرض لهم من الشبهة، وإقامة الحجة الواضحة المحجة، قال :
وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قدر الشيء ( بسكون الدال وفتحها ) ومقداره – مقياسه الذي يعرف به ومبلغه، يقال قدر يقدره إذا قاسه، وقادرت الرجل مقادرة قايسته وفعلت مثل فعله، والقدر والقدرة والمقدار القوة. ومنه القدر بمعنى الغنى واليسار – وكذا الشرف – لأنه كله قوة كما قال صاحب اللسان، وكل ما تقدم مختصر منه، ( قال ) وقوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق تعظيمه. وقال الليث ما وصفوه حق صفته، والقدر والقدر هنا بمعنى واحد اه. وعزى الأول إلى ابن عباس وروى عنه أيضا أن القدر هنا بمعنى القدرة، قال إن الآية نزلت في الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم فمن آمن أن الله على كل شيء قدير. فقد قدر الله حق قدره. وعن الأخفش أن المعنى ما عرفوه حق معرفته. وعن أبي العالية ما وصفوه حق صفته. وتفسيره بالمعرفة أقوى، لأنه بالمعنى الاشتقاقي ألصق، وتعلق الظرف « إذ قالوا » بفعله أو معنى نفيه أظهر، سواء تضمن معنى العلة أم لم يتضمن، والعبارة محتلة الأمرين. فمنكرو الوحي الذين يكفرون برسل الله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه ولا وصفوه حق صفته، ولا آمنوا بهذا النوع من قدرته. وهو إضافة ما شاء من علمه بما يصلح به أمر الناس من الهدى والشرع على من شاء من البشر بواسطة الملائكة، أو بتكليمه إياهم بدون واسطة، أو قدرته على ما يتبع الرسالة من تأييد الرسل بالآيات، وبهذا الاعتبار يكون تفسير القدر بالقدرة أظهر، ومن يجيز استعمال المشترك في كل معانيه والجمع بين حقيقته ومجازه مع أمن اللبس يجيز إرادة كل ما ذكر من معاني القدر هنا. على أن المعنى المختار يتضمن سائر هذه المعاني فمن عرف الله حق معرفته وصفه حق وصفه وآمن بقدرته على كل شيء وعظمه حق تعظيمه.
نطقت الآية بأن منكري الوحي ما عرفوا الله تعالى حق معرفته ولا وصفوه بما يجب وصفه به ولا عرفوا كنه فضله على البشر إذ قالوا إنه ما أنزل شيئا ما على أحد منهم، فهي دليل على أن إرسال الرسل وإنزال الكتب من شؤونه سبحانه ومتعلق صفاته في النوع البشري. فإنها من مقتضى الحكمة، وأجل آثار الرحمة، فمن عرفه تعالى بصفات الكمال، التي هي متعلق أحاسن الأفعال، ومصدر النظام التام، في عوالم الأرواح والأجسام كالحكمة البالغة، والرحمة السابغة، والعلم المحيط، والقيام بالقسط، ونظر في الآيات البينات في أنفس البشر والآفاق، فعلم منها أنه أحسن كل شيء خلقه، وأبدع كل شيء صنعه، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، مستعدا للعروج إلى أعلى عليين، والهبوط إلى أسفل سافلين، وجعل كماله الذي ترقيه إليه مواهب روحه الملكية، ونقصه الذي تدسيه فيه مطالب جسده الحيوانية، أثرا لعلومه وأعماله الكسبية، التي عليها مدار حياته الدنيوية والأخروية.
ثم علم من تدبر أحواله في حياته الحاضرة، ومن درس طباعه وتاريخ أجياله الغابرة، أنه لم يكد يوجد فرد من أفراده أحاط علما بمصالح شخصه، فلم يجن على جسده ولا على نفسه، ولم يوجد جيل من أجياله، ولا شعب من شعوبه، ارتقت به علومه الكسبية، وقوانينه الوضعية، إلى نيل السعادة المنزلية والقومية، والكمال الذي يؤهله للسعادة الأبدية » إلا من اهتدى بهداية المرسلين، وهم في كل ملة ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، - من عرف الله بما ذكرنا من الصفات، وعرف البشر بما أجملنا من الأحوال والمميزات، علم علم اليقين أن إرسال الرسل وإنزال الكتب من آثار تلك الصفات التي هي مصادر النظام ومظاهر الكمال، قد توقف عليه إكمال استعداد البشر للعروج الذي أشرنا إليه، وتوقي الهبوط الذي ذكرنا به، فكان إرشاد الوحي سببا لكل ارتقاء إنساني، في ركني وجوده الجسماني والروحاني.
وقد فتن في هذا العصر خلق كثير بترقي النظام الاجتماعي، وسعة التمتع الشهواني، في شعوب كانت قد استفادت كثيرا من هداية الوحي، ثم نسيت ذلك الأصل الذي هو مصدر كل الخير، فعتت عن أمر ربها ورسله، فمنها من كفر بهم وحدهم ومنها من كفر بهم وبه، وادعوا أنهم قد استغنوا بعقولهم عن تلك الهداية، بل وصموها بما وصموها به من سمات الغواية، حتى إذا ما برح الخفاء، وفضح الرياء، وانكشف الغطاء، ظهر أن تلك المدنية، هي أفظع الوحشية والهمجية، فأيهم أوسع فيها علوما وفنونا، وأدق نظاما وقانونا هم أشد فتكا بالإنسان وتخريبا للعمران وإن غاية هذا الترقي استعباد الأقوياء للضعفاء بتسخيرهم لخدمتهم، واستخراج خيرات الأرض لهم، استمتاعا بالشهوات الحيوانية السفلى، وإسرافا في زينة هذه الحياة الدنيا.
وقد بين شيخنا الأستاذ الإمام في ( رسالة التوحيد ) وجه حاجة البشر إلى الرسل من طريقين أو مسلكين : المسلك الأول : مبني على عقيدة بقاء النفس واستعداد البشر لحياة أبدية في عالم غيبي، وحاجتهم إلى إرشاد إلهي يعلمون به ما يجب عليهم من العلم والعمل للسعادة في تلك الحياة، وكون إيتاء الله تعالى إياهم ذلك من آثار إحسانه كل شيء خلقه، وإتقانه كل شيء صنعه، إذ اختص بعض أفراد هذا النوع بفطرة عالية، وأعد أرواحهم للإشراف على عالم الغيب وتلقي علم الهداية عن رب العالمين بواسطة الروح الأمين من الملائكة، أو بغير واسطة. وبذالك كانوا نهاية الشاهد، وبداية الغائب، في هذا النوع الذي جعل الله من التفاوت بين أفراده في العلم والعمل ما لا يعهد مثله ولا ما يقاربه في نوع آخر من أنواع الأحياء حتى أن الواحد منهم لينهض بأمة أو أمم فيرفع شأنها، وألوف الألوف يكونون كأنعام يسخرهم لخدمته رجل واحد أو آحاد منهم أو من غيرهم.
والمسلك الثاني مبني على ما علم من فطرة الإنسان من كونه خلق ليعيش مجتمعا متعاونا يقوم أفراد متفرقون وجماعات متعاونون بكل نوع من أنواع الأعمال التي يحتاج إليها في حفظ حياته الشخصية والنوعية، ويظهر به استعداده لتسخير جميع ما في عالمه لمنافعه، وكونه يعمل أعماله بحسب علمه وشعوره وتخيله، وكون أفراده يختلفون في ذلك اختلافا يقتضي التنازع والشقاق، الذي يفضي إلى التخاذل والتقاتل إذا لم يتداركه الله بهداية تزيل الخلاف، وتوحد الآراء والأهواء، وهذه الهداية هي هداية الوحي الذي بعث الله به الرسل، وإنما تزيل الخلاف لأن الله أودع في فطرة الإنسان فوق كل ما ذكر غريزة هي أقوى غرائزه وأعلاها، وهي غريزة الشعور بوجود قوة غيبية هي فوق قوته، وقوى جميع عالم الشهادة الذي يعيش فيه، والخضوع لكل ما يأتيه من جانب ذلك السلطان الأعلى، فأرسل الله الرسل بالآيات الدالة على تأييدهم من قبل تلك القوة العالية، والسلطة الغالبة وكونهم يتكلمون عن قيوم السموات والأرض، بما جاءوا به من الكتاب ليحكم بين الناس بالقسط. فزال من بين المؤمنين لهم كل خلاف، وتمهد لهم طريق السير إلى الكمال، فكان العاملون بالكتاب من كل أمة خيارها وعدولها. ولولا البغي الذي حمل آخرين على الخلاف في الكتاب المزيل للخلاف، لبلغت به منتهى ما هي مستعدة له من السعادة والكمال :
| من غص داوى بشرب الماء غصته | فكيف يفعل من قد غص بالماء |
قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا هذا رد على منكري الوحي والرسالة لقنه الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في إثر بيان كون ذلك من شؤونه تعالى ومقتضى صفاته في تدبير أمر البشر كما تقدم آنفا. قرأ ابن كثير وأبو عمرو « يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون » بالمثناة التحتية على أنها أخبار عن الذين أنكروا الوحي وهم مشركو العرب ومن على شاكلتهم. وقرأها الآخرون « تجعلونه » الخ بالمثناة الفوقية على الخطاب، وبذلك اختلف المفسرون في الآية وعدها بعضهم من مشكلات القرآن، وقد تقدم في الكلام على نزول السورة في أول تفسيرها أن بعضهم عد هذه الآية مما استثني من نزول هذه السورة كلها دفعة واحدة بمكة، وزعموا أنها نزلت في شأن بعض اليهود في المدينة، وأن ظاهر معنى الآية يدل على ذلك لأن هذا الاحتجاج إنما يقوم على اليهود دون مشركي العرب الذين خوطبوا بسائر السورة.
وقد ورد في أسباب نزولها عن ابن عباس أنه قال : قالت اليهود يا محمد أنزل الله عليك كتابا ؟ قال نعم. قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتابا، وعن السدي قال : قال فنحاص اليهودي ما أنزل الله على محمد من شيء. – وعن محمد بن كعب القرظي قال أمر الله محمدا أن يسأل أهل الكتاب عن أمره وكيف يجدونه في كتبهم فحملهم حسدهم على أن يكفروا بكتاب الله ورسله فقالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء – فأنزل الله وما قدروا الله حق قدره الآية. وروي عن قتادة وكذا عن مجاهد أن الآية نزلت في اليهود ولم يذكروا اسما ولا قصة، وعن عكرمة وسعيد بن جبير أنها نزلت في مالك بن الصيف اليهودي قال الكلمة في قصة سيأتي ذكرها. وفي رواية عن مجاهد أنها في العرب ورجحه ابن جرير فإنه بعد ذكر الخلاف صوب قول من قال إن الآية في مشركي قريش بأن الكلام في سياق الخبر عنهم ولم يجر لليهود ذكر في هذه السورة، وبأنه لم يصح من الرواية عن نزولها فيهم خبر متصل الإسناد، وبأن المعروف من دين اليهود أنهم لا ينكرون الوحي بل يقرون بنزوله على إبراهيم وموسى وداود ( قال ) : فلا يجوز لنا أن نصرف الآية عما يقتضيه سياقها من أولها إلى هذا الموضع بل إلى آخرها بغير حجة من خبر صحيح أو عقل. وذكر أنه يظن أن من قال إنها نزلت في اليهود تأولوا بذلك قراءة الأفعال فيها بالخطاب « تجعلونه
تفسير المنار
رشيد رضا