وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون٩١ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون [ الأنعام : ٩١ ٩٢ ].
تفسير المفردات : قدر الشيء ومقداره : مقياسه الذي يعرف به، ويقال قدره يقدره : إذا قاسه، والقدر والقدرة والمقدار : القوة أيضا، القدر : الغنى واليسار والشرف، قراطيس : واحدها قرطاس وهو ما يكتب فيه من ورق أو جلد أو غيرهما.
الإيضاح : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء أي ما عرفوه حق معرفته، فإن منكري الوحي الذين يكفرون برسل الله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه ولا وصفوه حق صفته، ولا آمنوا بقدرته على إفاضة ما شاء من علمه بما يصلح به الناس من الهدى والشرائع على من شاء من البشر بواسطة الملائكة أو بتكليمه إياهم بدون واسطة وهم قد أنكروا الوحي وجهلوا فضل البشر وقالوا ما أنزل الله على أحد منهم شيئا.
ومن عرف حكمة الله البالغة، ورحمته الواسعة، وعلمه المحيط بكل شيء، ونظر في آياته في الأنفس والآفاق، وعلم أنه أحسن كل شيء خلقه، وخلق الإنسان مستعدا للصعود إلى أعلى عليين، والهبوط إلى أسفل سافلين، وجعل كماله أثرا لعلومه وأعماله الكسبية التي عليها مدار حياته الدنيوية والأخروية علم أن الإنسان مهما ارتقت معارفه لا يمكن أن يصل إلى الكمال الذي يؤهله لنيل السعادة الأبدية إلا إذا اهتدى بهدى النبيين والمرسلين، فإن إرسالهم وإنزال الوحي عليهم وإرشادهم للناس سبب لكل ارتقاء إنساني في حياتيه الجسمانية والروحية فبذلك تذهب الضغائن والأحقاد من القلوب، ويزول الخلاف والشقاء بين الناس، ويعيشون في وفاق ووئام، علما منهم بأن هناك سلطة عليا ترقب أعمالهم، وتحاسبهم على النقير والقطمير، في ذلك اليوم العبوس القمطرير، وتجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب.
ثم لقن الله رسوله الرد على منكري الوحي والرسالة من مشركي قريش، إثر بيان كون ذلك من شؤونه تعالى ومن مقتضى نظام حياة البشر وقد كانوا يعلمون أن اليهود هم أصحاب التوراة المنزلة على موسى فقد أرسلوا إلى المدينة وفدا زعيماه النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ليسألوا الأحبار عما يعلمون عن محمد وصفته، لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ما ليس عند غيرهم من علم الأنبياء، فلما أتوا إلى أولئك الأحبار سألوهم عنه فأنكروا معرفته، وبذا يكون الاحتجاج عليهم بإنزال التوراة على موسى احتجاجا ملزما لهم ودافعا لإنكارهم فقال :
قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا أي قل لقومك الذين لم يقدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء و قالوا أبعث الله بشرا رسولا [ الإسراء : ٩٤ ] من أنزل الكتاب الذي به موسى نورا انقشعت به ظلمات الشرك الذي ورثه بنو إسرائيل عن المصريين، وهدى للناس الذين جاء لتبليغ رسالته إليهم فأخرجهم من الضلال إلى نور الحق وصاروا خلقا آخر اعتصم بالحق والعدل حتى اختلفوا فيه ونسوا حظا مما ذكروا به واتبعوا أهواءهم وجعلوه قراطيس يبدونها عند الحاجة، فإذا استفتي الحبر من أحبارهم في مسألة له هوى في إظهار حكم الله فيها كتب ذلك الحكم في قرطاس وأظهره للمستفتي ولخصومه ويخفون كثيرا من أحكام الكتاب وأخباره إذا كان لهم هوى في إخفائها.
وسبب هذا : أن الكتاب كان بأيديهم ولم يكن في أيدي العامة نسخ منه، وهذا الإخفاء لنصوص الوقائع غير ما نسيه متقدمو اليهود من الكتاب بضياعه عند تخريب بيت المقدس وإجلاء اليهود إلى العراق وهو ما أشار إليه تعالى بقوله : فنسوا حظا مما ذكروا به [ المائدة : ١٤ ] وقد أخفى أحبار اليهود حكم الرجم بالمدينة وأخفوا ما هو أعظم من ذلك هو البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم وكتمان صفاته عن العامة وتحريفها إلى معان أخرى للخاصة، فلقن الله رسوله أن يقرأ هذه الآية على مسمع من اليهود وغيرهم بالخطاب لهم فيقول : تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا .
وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قال مجاهد : هذا خطاب للعرب، وفي رواية عنه للمسلمين ومآلهما واحد فإن ما علمه العرب من علوم القرآن وحكمه وهدايته قد أدوه إلى سائر المسلمين من غيرهم فكانت فائدته عامة لجميع من أظلهم الإسلام بظله.
وفي ذلك امتنان منه سبحانه على الرسول وقومه وسائر المسلمين بإتيانهم هذا الكتاب الكريم الذي بسط فيه أصول العقائد مؤيدة بالدلائل، وتمم به مكارم الأخلاق وأمهات الفضائل، وجعل فيه من العبادات ما يزكي النفوس ويطهرها، ومن المعاملات ما فيه المنافع للأفراد والجماعات، وأوجب فيه المساواة بين الأجناس والديانات، فلا يحابى مسلم لإسلامه، ولا يظلم كافر بكفر.
وبعد أن بين سبحانه إنكار المنكرين للوحي بعبارة تدل على جهلهم وترشد إلى البرهان لمكذب لدعواهم وشفعه بأمر الرسول أن يسألهم ذلك السؤال الذي أفحمهم وألقمهم حجرا لقنه الجواب الذي كان يجب أن يجيبوا به لو أنصفوا وذلك قوله :
قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون أي قل لهم أيها الرسول : الله أنزله على موسى، ثم دعهم بعد هذا البيان المؤيد بالحجة والبرهان، فيما يخوضون فيه من باطلهم وكفرهم بآيات الله حال كونهم يلعبون كما يلعب الصبيان.
وفي أمر الرسول بالجواب عما سئلوا عنه إيماء إلى أنهم لا ينكرونه، لما في ذلك من المكابرة وما في الاعتراف من الخزي إذا هم أقروا بما يجحدون من الحق.
تفسير المراغي
المراغي