ويقول الحق بعد ذلك :
وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( ٩١ ) .
الكلام عن الذين رفضوا وتأبوا عن الإيمان بالله. فيأتي الأمر للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن يوضح لهم بأنهم لم يطيعوا الله حق قدره، ومعنى القدر معرفة المقدار، وحق قدره سبحانه لا نقدر عليه نحن البشر، ولذلك نقدره على قدر طاقتنا أو على قدر ما طلب منا، وكما قال رسول الله :( سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )١.
والإنسان منا حين يثني على واحد فهذا دليل أنه قد قيم قدره بقيمة الثناء، وحين نقيم قدر الله فعلينا أن نعرف أن صفات الكمال كلها فيه وهي لا تتناهى ولا يمكن أن تحصى. ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى أنه تحمل عنا صيغة الثناء عليه : كي لا يوقعنا في حرج، فليس لبشر منن قدرة أن يحيط بجمال الله أو بجلاله حتى يثني عليه بما يستحقه، وإن أحاط عبد بذلك – ولن يحيط – فمن أين له العبارة التي تؤدي هذا الثناء ؟ ولا يوجد بليغ أو أديب يستطيع أن ينمق العبارات التي تكفي لتقدير هذا الثناء على الله، فأوضح لنا الحق من خلال رسوله : أنا حملت عنكم هذه المسألة حتى تكونوا كلكم سواسية، قال رسول الله :( سبحانك لا نحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ).
وفي كلمة ( الحمد لله ) وحدها يتساوى الناس جميعا. ومن رحمته سبحانه أن سوى بين الناس في معرفة صيغة الثناء عليه. ويأتي الحق هنا بالزاوية التي نفى فيها أنهم ما قدروا الله حق قدره. لماذا يا رب لم يقدروك حتى قدرك ؟ وتأتي الإجابة :
إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ( من الآية ٩١ سورة الأنعام ).
أي أنهم أنكروا أن يكون الله قد اختار من بعض خلقه من يجعلهم أهلا لتلقي منهجه لإبلاغه إلى خلقه. ويأتي الرد من الحق لرسوله ردا عليهم :
قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ( من الآية ٩١ سورة الأنعام ).
إذن لابد أن يكون القائلون هذا يؤمنون بأن موسى نزل عليه كتاب لتكون الحجة في موضعها. وكفار مكة كانوا غير مؤمنين بأي رسول، لكنهم يعلمون أن هناك من هم من أهل الكتاب، بدليل أنهم قالوا :
لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ( من الآية ١٥٧ سورة الأنعام )
ونقول : لو دققت النظر في السورة فقد ينطبق الأمر على واحد مخصوص من الذين غلبتهم الحجة. وفي تاريخ السيرة نجد واحدا من الأحبار كان دائب الخوض في الاسلام، وكان اسمه ( مالك بن الصيف ) فلقيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والحبر هو عالم اليهود والمفترض فيه أن يكون من الزهاد فيهم منقطعا للعلم إلا أنه كان سمينا على الرغم من أن من عادة المنقطعين للعبادة وإلى العلم أنهم لا يأخذون من الزاد إلا ما يقيت، ويقيم الأود لأنه قد جاء في التوراة :( إن الله يبغض الحبر السمين ).
فلما علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن مالك بن الصيف – وهو من أحبار اليهود – يخوض كثيرا في الإسلام قال له : أفي توراتكم ( إن الله يبغض الحبر السمين ) فبهت الرجل، وقال :( ما أنزل الله على بشر من شيء ) يعني ما أنزل الله على بشر من شيء من الذي أنت تقوله، وهكذا نعلم أن مثل هذا القول قد يأتي من أهل الكتاب، وحين قال مالك هذه القولة قام عليه رجال من اليهود وقالوا له : كيف تقول :( ما أنزل الله على بشر من شيء ) فقال لهم : أغضبني محمد، فرددت على الغضب بباطل.
وهنا قال من سمعه من اليهود : إذن أنت لا تصلح أن تكون حبرا لأنك فضحتنا وعزلوه، وجاءوا بكعب بن الأشراف وولوه مكانه.
قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( من الآية ٩١ سورة الأنعام ).
الكتاب إذن هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى وهو التوراة وقد جعلوه قراطيس، أو جعلوه أوراقا منفصلة يظهرون منها ما يريدون، ويخفون منها ما لا يريدون مثلما فعلوا في مسألة الرجم كعقاب للزنا. إذن فقد سبق لهم كتمان ما أنزل الله عليهم، وبين الحق ذلك في آيات متعددة :
فنسوا حظا مما ذكروا به ( من الآية ١٤ سورة المائدة ).
والذي لم ينسوه كتموا بعضه وأظهروا بعضه، والذي لم يكتموه حرفوه ولووا به ألسنتهم، إذن فهناك نسيان، وكتمان، وتحريف. وليتهم اقتصروا على هذا ووقفوا عنده بل جاءوا بأشياء من عندهم وقالوا هي من عند الله :
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ( من الآية ٧٩ سورة البقرة ).
ويتابع الحق سبحانه :
وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( من الآية ٩١ سورة الأنعام ).
فإن كان الكلام في كفار مكة فقد جاءهم القرآن بما لم يعلموا لا هم ولا آباؤهم ؛ لأن الإسلام جاء على فترة من الرسل. وإن كان في أهل الكتاب فهو قول صدق ؛ لأنهم لما كتموا أشياء فضح القرآن ما كتموه وما حرفوه. وجاء القرآن فعدل لهم ؛ فكأنهم علموا الحق، لينسخوا به الباطل الذي غيروه وحرفوه، وقوله الحق : قل الله أي أن الذي أنزل الكتاب هو الله.
وساعة يأتي الحق سبحانه وتعالى بصيغة الاستفهام نعلم أن الاستفهام الحقيقي بالنسبة لله محال، لأنه يعلم كل شيء، وإنما يجيء باستفهام يقال له :( الاستفهام الإنكاري ) أو ( الاستفهام التقريري ) وهو يأتي بهذه الصيغة لأنه يريد جوابا فيه الإقرار من المعاندين، فإن لم يقولوا واحتاروا أو خجلوا أن يقولوا فقل أنت لهم يا محمد :
قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( من الآية ٩١ سورة الأنعام )
و ( الخوض ) هو الدخول في الماء الكثير، الذي لا تستبين العين فيه موضع القدم، وربما نزل في هوة، ثم استعمل واستعير للخوض في الباطل.
والحق سبحانه وتعالى يقول : ثم ذرهم في خوضهم يلعبون أي أن هذا لعب منهم ولن يستطيع الصمود أمام الدعوة، فالدعوة سائرة في طريقها، ولن يتمكنوا منها أبدا، فكل الذي يصنعونه هو خوض في باطل ولعب لا جدوى منه ولا صلة له بالجد. ولكن هل معنى هذا أن يتركهم محمد ؟ لا، لأنه حين يجد آذانا منهم ينبههم ويذكرهم، ثم بعد أن ينفخ الأمر للإسلام، فالذي يقيم في الجزيرة العرب لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف ؛ لأن المعجزة جاءت مباشرة بقرآن يعلم الكل إعجازه، وسبحانه قد أنزل التوراة من قبل وأنزل القرآن مباركا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي