واذكر أيضاً إذْ يُريكَهُمُ الله في منامك قليلاً ، كان صلى الله عليه وسلم قد رأى الكفار في نومه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم وتجرؤا على قتالهم، وكانوا قليلاً في المعنى، ولو أراكَهُمْ كثيراً في الحس لفشلْتُمْ لجبنتم، ولتنازعتم في الأمر ؛ في أمر القتال، وتفرقت آراؤكم، ولكنَّ الله سلَّم أي : أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع ؛ إنه عليمٌ بذات الصدور أي : يعلم ما يكون فيها من الخواطر وما يغير أحوالها.
وتارة ترد عليه الخواطر والهواجس الردية فتحطه إلى أرض الحظوظ بغتة، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً في سابق علمه، فإذا أراد الله عناية عبد قلّل عنه مدد الأغيار، حتى يراها كل شيء، وقواه بمدد الأنوار حتى يغيب عنه كُل شيء فتذهب عنه ظلمة الأغيار وإذا أراد الله خذلان عبد قطع عنه مدد الأنوار، وقوى عليه مدد الأغيار، حتى ينحط إلى الدرك الأسفل من النار، والعياذ بالله من سوء القضاء والقدر، وإليه الإشارة بقوله : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة الآية. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي