ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

إذ يريكهم الله في منامك قليلا [ الأنفال : الآية ٤٣ ] قال بعض العلماء :( إذ ) بدل من الظروف قبله. وقال بعضهم : منصوب ب ( اذكر ) مقدرا.
ومعنى الآية الكريمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على التحقيق فيما يرى النائم – ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي لا شك فيها – أراه الله في نومه أن المشركين قليل جدا. وبعض العلماء أنكر معناها الواضح المتبادر للذهن، أنه لم يفهم الحقيقة. قالوا : كيف يريهم قليلا في منامه ورؤيا الأنبياء حق، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنهم حوالي ألف، كيف يعلم أنهم قريبون من الألف ويرى في المنام خلاف ما هو يعلم مع أن رؤيا الأنبياء حق ؟ وغفل من قال هذا القول وإن قال به جماعة من أجلاء العلماء، لأن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق، وتأويلها حق، كما قال يوسف : قد جعلها ربي حقا [ يوسف : الآية ١٠٠ ] لأن معنى رؤياه هو ما سيأتي في قوله : ويقللكم في أعينهم [ الأنفال : الآية ٤٣ ]. لأن الله قلل كلا من الطائفتين في عين الأخرى في اليقظة حتى إنهم لما تصوبوا من عقنقل بدر قال ابن مسعود ( رضي الله عنه : قلت لصاحبي : أتراهم يبلغون السبعين ؟ قال : أظنهم يبلغون المئة. من شدة تقليل الله لهم في عيون الصحابة، والله قلل الصحابة في عيون المشركين حتى قال أبو جهل : إنهم أكلة جزور. يعني : الجزور قد يأكلها ناس قليلون. فقلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، فبعد أن التحم القتال والتقى الصفان أكثر الله المؤمنين في أعين الكافرين حتى صاروا يظنونهم ضعفيهم، كما تقدم في قوله : قد كان لكم ءاية في فئتين إلى قوله يرونهم مثليهم رأى العين [ آل عمران : الآية ١٣ ] لأن الكفار بعيونهم يرون أن المسلمين أكثر منهم بالضعف، لأن الله فعل كل ذلك لحكمة قبل أن يتلاقى هؤلاء وهؤلاء، جعل هؤلاء قليلا في أعين هؤلاء، وهؤلاء قليلا في أعين هؤلاء، ثم لما التحم القتال والتقى الصفان أكثر المسلمين في أعين الكافرين فظنوا أنهم أكثر منهم مرتين، ولذا قال هنا : إذ يريكهم الله في منامك قليلا [ الأنفال : الآية ٤٣ ] لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراه الله الكفار في النوم قليلا وأخبر بها أصحابه ففرحوا بذلك وقويت قلوبهم وتهيؤوا للقتال، والله ( جل وعلا ) صدق تلك الرؤيا بأن قللهم في أعينهم يوم بدر، كما يأتي الآن، ثم قال : ولو أركهم كثيرا لفشلتم لو أراك في النوم أنهم عدد ضخم كثير كالألف وأخبرتهم بذلك لخافوا وقالوا : لم نستعد لهؤلاء، وإنما خرجنا للعير ! ! كما تقدم في قوله : وإن فريقا من المؤمنين لكرهون ( ٥ ) يجدلونك في الحق بعدما تبين [ الأنفال : الآيتان٥، ٦ ] وهذا معنى قوله : ولو أركهم كثيرا لفئلتم الفشل ضد النجاح، وهو الجبن والخور. أي : لأصايكم الخور والجبن وتنازعتم في هذا الأمر، هذا معنى قوله : لفشلتم ولتنزعتم في الأمر بأن قال قوم : نذهب إليهم وإن كانوا كثيرا. وقال آخرون : ما ذهبنا إلا للعير، وما ذهبنا مستعدين لنفير كثير. وحصل فيكم الفشل والتنازع في الأمر ولكن الله جل وعلا سلم من هذا الفشل ومن هذا التنازع بأن أرى رسوله صلى الله عليه وسلم في المنام أنهم قليلون لتتجرؤوا عليهم، وقللكم في أعينهم فعلا يقظة رأي العين، وقللهم في أعينكم تصديقا لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم هذا معنى قوله : ولكن الله سلم .
إنه عليم بذات الصدور المراد بذات الصدور : ما يصاحب الصدور ويكمن فيها من الخواطر والهواجس، وقد علم أنه لو أراه إياهم كثيرا لتنازعتم في ذلك الأمر ولفشلتم، فهو يعلم بما يهجس في الصدور، وما يخطر فيها، وما توسوس به النفوس، وهذا معنى قوله : إنه عليم بذات الصدور [ الأنفال : الآية ٤٣ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير