قال الله تعالى :
وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التوبة : ١٠٢ ].
وفيها مسألة واحدة :
[ ٩٨ ] حكم صاحب الكبيرة من المسلمين.
قال ابن حزم رحمه الله :
( ذهب أهل السنة من أصحاب الحديث والفقهاء إلى : أنه مؤمن فاسق ناقص الإيمان، وقالوا : الإيمان اسم معتقده وإقراره، وعمله الصالح، والفسق اسم عمله السيئ )١.
ولما ذكر رحمه الله إنكار المعتزلة لهذا، قال :
( وهذا الذي أنكروه لا نكرة فيه، بل هو أمر موجود مشاهد، فمن أحسن من وجه، وأساء من وجه آخر، كمن صلى ثم زنى، فهو محسن محمود، ولي لله فيما أحسن فيه من صلاة، وهو مسيء مذموم عدو لله، فيما أساء فيه من الزنا، قال الله عز وجل :
وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا [ التوبة : ١٠٢ ].
فبالضرورة ندري أن العمل الذي شهد الله عز وجل أنه عمل صالح، فإن عامله فيه محمود محسن مطيع لله تعالى، وأن العمل الذي شهد الله عز وجل أنه سيئ فإن عامله فيه مذموم مسيء عاص لله تعالى.
وقد استدل رحمه الله لهذا المعتقد بما قاله :
( ويكفي من هذا كله، قول الله عز وجل :
أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى [ آل عمران : ١٩٥ ].
وقال تعالى : اليوم تجزى كل نفس بما كسبت [ غافر : ١٧ ].
وقال تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [ الزلزلة : ٧-٨ ].
وقوله تعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء السيئة فلا يجزى إلا مثلها [ الأنعام : ١٦٠ ].
وقوله تعالى : وتضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين [ الأنبياء : ٤٧ ].
فصح بهذا كله أنه لا يخرجه عن اسم الإيمان إلا الكفر، ولا يخرجه عن اسم إلا الإيمان، وأن الأعمال حسنها حسن إيمان، وقبيحها قبيح ليس إيمان، والموازنة تقضي على كل ذلك، ولا يحبط الأعمال إلا الشرك، قال الله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : ٦٥ ]٢.
ثم زاد رحمه الله تعالى دليلا، فقال :
( قال أبو محمد رضي الله عنه : ويقال لمن قال : إن صاحب الكبيرة كافر : قال الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ البقرة : ١٧٨ ].
فابتدأ الله عز وجل بخطاب أهل الإيمان من كان فيهم من قاتل، أو مقتول، ونص تعالى على أن القاتل عمدا، وولي المقتول أخوان، وقد قال تعالى : إنما المؤمنون إخوة [ سورة الحجرات : ١٠ ].
فصح أن القاتل عمدا مؤمن بنص القرآن وحكمه له بأخوة الإيمان، ولا يكون للكافر مع المؤمن بتلك الأخوة.
وقال تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ [ الحجرات : ٩-١٠ ].
فهذه الآية رافعة للشك جملة في قوله تعالى : إن الطائفة الباغية على الطائفة الأخرى من المؤمنين المأمور سائر المؤمنين بقتالها حتى تفيء إلى الله تعالى إخوة للمؤمنين المقاتلين، وهذا أمل لا يضل عنه إلا ضال.
هاتان الآيتان حجة قاطعة أيضا على المعتزلة المسقطة اسم الإيمان عن القاتل، وعلى كل من أسقط عن صاحب الكبائر اسم الإيمان. وليس لأحد أن يقول : إنه تعالى إنما جعلهم إخواننا إذا تابوا لأن نص الآية أنهم إخوان في حالة البغي، وقبل الفيئة إلى الحق٣.
٢ (الفصل) (٣/٢٧٧-٢٧٨)..
٣ (الفصل) (٣/٢٨٠)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري