ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

ويقول الحق من بعد ذلك :
وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم( ١٠٢ ) .
وقول الحق : وآخرون معطوفة على قوله : و من أهل المدينة مردوا على النفاق فهل يظلون على النفاق، أم أن منهم من يثوب إلى رشده ؛ ليجد أن موقفه مخز حتى أمام نفسه ؟ لأن أول ما ينحط المنافق إنما ينحط أمام نفسه ؛ لأنه نافق ولم يقدر على المواجهة، واعتبر نفسه دون من يواجهه ؛ فيحتقر نفسه، ولا بد لأن منهم من يأنف من هذا الموقف، ويرغب في حسم المسألة : إما أمن يؤمن وإما أن يكفر، ثم يرجح الإيمان، ويتخلص من النفاق ؛ بأن يعترف بذنوبه.
وبذلك يصبح ممن يقول الحق عنهم : وآخرون اعترفوا بذنوبهم أي : ممن لم يصرّوا على النفاق١، واعترفوا بذنوبهم، والاعتراف لون من الإقرار. والإقرار بالذنب أنواع، فهناك من يقر بالذنب إفاقة، وآخر يقر الذنب في صفاقة، مثلما تقول لواحد : هل ضربت فلانا ؟ فيقول : نعم ضربته، أي أنه اعترافه بذنبه، وقد يضيف : وسأضرب من يدافع عنه أيضا، وهذا اعتراف فيه صفاقة.
أما من يعترف إفاقة، فهو يقر بأنه ارتكب الذنب ويطلب الصفح عنه، وهذا هو الاعتراف المقبول عند الله. وهم قد اعترفوا بذنوبهم اعتراف إفاقة، بدليل أن الله قال فيهم : خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وعملهم الصالح هنا هو إقرارهم بالذنب ومعرفتهم أن فضيحة الدنيا أهون من فضيحة الآخرة، أما عملهم السيئ فهو التخلف عن الجهاد والإنفاق.
واعترافهم هذا هو اعتراف الإفاقة، واختلف العلماء : هل هذا الاعتراف يعتبر توبة أم لا ؟
نقول : إن الحق سبحانه وتعالى حينما قال : اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ثم قوله : عسى٢ الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم أي : رجاء أن يتوب عليهم، وهذه مقدمات توبة وليست توبة، فإن صاحبها الندم على ما مضى، والإصرار على عدم العودة في المستقبل فينظر هل هذا كان منه مخالفة أن يفضح أم موافقة لمنهج الله٣ ؟
إن كان الأمر موافقة لمنهج الله فتكون التوبة مرجوّة لهم.
وكلمة خلطوا تؤدي معنى جمع شيئين كانا متفرقين، وجمع الشيئين أو الأشياء التي كانت متفرقة له صورتان الصورة الأولى : أن يجمعهم على هيئة الافتراق، كأن تأتي بالأشياء التي لا تمتزج ببعضها مثل : الحمص واللب والفول، وتخلط بعضها ببعض في وعاء واحد، لكن يظل كل منها على هيئة الانفصال، فأنت لن تدخل حبة اللب في حبة الحمص، ولم يتكون منهما شيء واحد، لأنه لو حدث هذا لصار مزيجا لا خلطا، مثلما تخلط الشاي باللبن ؛ لأنك بعد أن تجمعهما يصيران شيئا واحدا، بحيث لا تستطيع أن تفصل هذا عن ذلك.
إذن : فهم حين خلطوا العمل الصالح والعمل السيّئ، لم يجعلوا من العمل الصالح والعمل السّيئ مزيجا واحدا. لكن العمل الصالح ظل صالحا، والعمل الفاسد ظل فاسدا.
وقوله سبحانه : عسى الله أن يتوب عليهم كلمة عسى معناها الرجاء٤ وهو ترجيح حصول الخير. وهو لون من توقع حصول شيء محبوب. والرجاء يخالف التمني ؛ لأن التمني هو أن تحب شيئا وتتمنى أن يكون موجودا، لكنه لا يأتي أبدا، مثل قول الشاعر :
ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب
إنه قد تمنى أن يعود شبابه، وهذا دليل على أن فترة الشباب محبوبة، لكن ذلك لا يحدث. إذن : فإظهار الشيء المحبوب له لونان : لون يتأتى، ولون لا يتأتى، فالذي يتأتى اسمه ( رجاء )، والذي لا يتأتى نسميه ( التمني )، مثل قول الشاعر :
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها *** عقود مدح فما أرضي لكم كلما
فالشاعر يتمنى حدوث ذلك، ولكنه لن يحدث. أما الرجاء فهو أمل يمكن أن يحدث، والرجاء له منازل ومراحل بالنسبة للنفس الإنسانية. فأنت عندما ترجو لواحد شيئا فتقول : " عسى فلان أن يمنحك كذا، فأنت هنا مترجّ، وهناك مترجى له، هو من تخاطبه، ومترجّى منه، وهو من يعطي، فهذه ثلاثة عناصر.
لكن ألك ولاية على من يمنح ؟ لا، لكن إن قلت : عسى أن أمنحك أنا كذا، فأنت ترجو لواحد غيرك أن تمنحه أنت، وهذا أرجى أن يتحقق. وحين تقول :" عسى أن أمنحك " فقد تقولها في لحظة إرضاء للذي تتحدث معه. ثم قد يبلغك عنه شيء يغير من نفسك، أو جئت ؛ لتعطيه، فلم تجد ما تعطيه له، هنا لم يتحقق الرجاء.
لكن عندما تقول :" عسى الله أن يمنحك "، فأنت ترجو له من الله، وهو القادر على كل شيء ولا تؤثر فيه أغيار، أما إذا قال الله عن نفسه :" عسى الله أن يفعل "، فهذا أقوى وسائل الرجاء.
إذن : فنحن أمام أربع وسائل للرجاء. أن تقول :" عسى فلان أن يمنحك " أو أن تقول :" عسى أن أمنحك أنا "، أو تقول :" عسى الله أن يمنحك " وقد يجيبني الله، أو لا يجيب دعائي، لكن حين يقول الحق :" عسى أن أفعل " فهذا هو اللون الرابع من ألوان الرجاء، وقالوا : الرجاء من الله إيجاب.
عسى الله أن يتوب عليه ، فهذا رجاء أن يتوب الله عليهم، وأما توبة٥ العبد فمسألة تقتضي الندم على ما فات، والرجوع إلى منهج الله، والعزم على ألا يغضب الله في المستقبل. أما توبة الله فهي تضم أنواع التوبة، فتشريع الله للتوبة رحمة بمن ارتكب الذنب، ورحمة بالناس الذين وقع عليهم السلوك الذي استوجب التوبة. فإن تبت ؛ فقبول التوبة رحمة ثانية، فلو لم يشرع الله التوبة ؛ لا ستشرى كل من ارتكب ذنبا واصطلى المجتمع بشروره لكن حين يشرع الله التوبة ؛ فهناك أمل أن يرجع العبد إلى الله وأن يتخلص المجتمع من إمكانية عودته للذنب ؛ وانتهى هو من أن يوقع مصائب بغيره.
فإذا قبل الله التوبة، يقال :" تاب الله على فلان "، فلله إذن أكثر من توبة، ولذلك حين تقرأ قوله الحق : ثم تاب عليهم ليتوبوا... ( ١١٨ ) ( التوبة )أي : شرع لهم التوبة ؛ ليتوبوا، فإذا تابوا فسبحانه قابل التوبة. إذن : فالتوبة ثلاث مراحل : تشريع للتوبة، ثم توبة واقعة، فقبول للتوبة. والتوبة رجوع عن شيء، وهي بالنسبة للعبد رجوع عن ذنب، وبالنسبة لله إن كان الذنب يستحق أن يعاقب الله به، فإذا تبت أنت، فالحق يعفو ويرجع عن العقوبة٦.
وينهي الحق الآية : إن الله غفور رحيم ؛ لأن المغفرة بالنسبة للعبد صعبة، فإن سرق واحد منك شيئا فهو يضرك، ويّلح عليك حب الانتقام منه ؛ لأن الضرر أتبعك، ولكن أيتعب أحد ربه بالمعصية ؟ لا ؛ لأنك إن كنت قد أضررت بأحد فإنما أضررت بنفسك، ولم تضر الله سبحانه، لأنه سبحانه لا يلحقه ضرر بذنبك٧، وإنما الذنب لحقك أنت.
فحين يقول سبحانه : غفور فهو غفور لك، و رحيم بك. والمصائب أو الكوارث نوعان ؛ نوع للإنسان فيه غريم، ونوع يصيب الإنسان ولا غريم له. فإن مرض إنسان فليس له غريم في المرض، أما إذا سرق إنسان فاللص هو غريمه، ومصيبة الإنسان التي فيها غريم تدفع النفس إلى الانفعال برد العقوبة إليه، أما حين تكون المصيبة من غير غريم فهي التي تحتسب عند الله، ويقال : إن المصيبة التي ليس فيها غريم هي التي تحتاج لشدة إيمان، والحق يقول :
ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ( ٤٣ ) ( الشورى )
هنا يؤكدها ؛ لأن غريمه يلح عليه، فساعة يراه يتذكر ما فعله غريمه به، فتكون هناك إهاجة على الشر.
أما قوله سبحانه : واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور( ١٧ ) ( لقمان )
فلم يؤكدها، فالمصيبة هنا من سيكون غريمه فيها ؟ والذين اعترفوا بذنوبهم هم قوم تخلفوا بغير عذر، ثم جاءوا وقالوا : ليس لنا عذر، ولم يختلقوا أعذارا ؛ لأننا نعلم أن هناك أناسا لم يعتذروا، وأناسا آخرين اعتذروا بأعذار صادقة، وآخرين اعتذروا باعتذارات كاذبة، وهم قد اعترفوا بذنوبهم أي : أعلنوا أن اعتذاراتهم عن الغزوة ولم تكن حقيقية وأنه لم يكن عندهم ما يبرر تخلفهم عن الغزو ؛ فهؤلاء تاب الله عليهم في نفوسهم أولا، ورسول الله لا يزال في الغزوة في تبوك التي تخلفوا عنها.
ثم عاد الرسول من الغزوة، ودخل المسجد كعادته حين يرجع إلى المدينة، وأول عمل كان يعمله بعد العودة هو أن يدخل المسجد، ويصلي فيه ركعتين٨. فوجد أناسا قد ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وهي الأعمدة فسأل عن هؤلاء، فقالوا : هؤلاء قوم تخلفوا وكانت أعذارهم كاذبة لكنهم اعترفوا بذنوبهم، وقد عاهدوا الله ألا يحلوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تحلهم وترضى عنهم فقال صلى الله عليه وسلم :" وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم ؛ رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " ٩. فلما أنزل الله هذه الآية حلهم رسول الله ومنهم : أبو لبابة.
ولذلك من يذهب ليزور المدينة إن شاء الله، سيجد أسطوانة اسمها " أسطوانة أبي لبابة " وهو أول من ربط نفسه على الساري، وقلده الآخرون. وهذا يدلك على أن المؤمن حين تختمر في نفسه قضايا الإيمان فهو لا ينتظر أن يعاقب من الله، بل يبادر هو على أن يعاقب نفسه.
ومثال ذلك : المرأة التي زنت، والرجل الذي زنا، واعترفا لرسول الله ليرجمهما١٠، ومعنى ذلك أنهما لم ينتظرا حتى يعذبهما الله، بل ذهب كل منهما بنفسه. ولذلك حين جاء سيدنا عمر، وكاد أن يركل جثة أحدهما قال الرسول :" دعها يا عمر فقد تابت توبة لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم " ١١.
وكون أبى لبابة يربط نفسه بالسارية، فهذا يدل على أن المؤمن إذا اختمرت في نفسه قضية الإيمان، فإنه لا يترك نفسه إلى أن يلقاه الله بعذابه، بل يقول : لا، أنا أعذب نفسي كي أنجو من عذاب الله، فهو قد تيقن أن هناك عذابا في الآخرة أقسى من هذا العذاب. فلما اعترفوا بذنوبهم وراجعوا أنفسهم متسائلين : ما الذي شغلنا عن الغزو، وجعلنا نعتذر بالكذب ؟ وجدوا أنهم في أثناء غزوة تبوك وقد كانت في الحر، وفيه كانت تطيب جلسات العرب تحت الظلال وأن يأكلوا من التمر. فقالوا : والله، إن المال هو الذي شغلنا عن الغزو وجعلنا نرتكب هذا الذنب، ولا بد أن نتصدق به ؛ لذلك قلنا : إن هذه لم تكن الصدقة الواجبة، بل هي صدقة الكفارة.
وهؤلاء قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم : خذ هذا المال الذي شغلنا عن الجهاد، فلم يقبل حتى ينزل قول من الله فأنزل الحق قوله :
خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم( ١٠٣ ) .

١ اعترافهم وتوبتهم عن التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك..
٢ عسى فعل جامد دال على الترجي، وإذا أسند الفعل إلى الله تعالى فمعناه أنه وعد بنفاذ الأمر المرجو أنه نافذ حتما، وعسى من أفعال الرجاء وتستعمل على أوجه أكثرها وجهان: الأول: أن يذكر بعدها اسم ظاهر والوجه الثاني: أن يذكر بعدها المصدر المؤول..
٣ فإن كان موافقا لمنهج الله كان القبول من الله..
٤ قال القرطبي في تفسيره (٤/٣١٦٩): " هذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة" وقال ابن كثير (٢/٣٨٥):" هذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطابين المخالطين المتلوثين" والعبرة بعمو م اللفظ لا بخصوص السبب..
٥ تاب: رجع عن المعاصي، وتاب إلى الله رجع إليه بالطاعة بعد المعصية، وتاب الله عليه وفقه للتوبة وقبلها منه –قال تعالى:فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه (٣٩) (المائدة).
٦ قال الإمام أبو حامد الغزالي في شرح اسم الله (التواب):"هو الذي يرجع إلى تيسير التوبة لعباده مرة بعد أخرى، بما يظهر لهم من آياته، ويسوق إليهم من تنبيهاته، ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته، حتى إذا طلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب استشعروا الخوف بتخويفه، فرجعوا إلى التوبة، فرجع إليهم فضل الله تعالى بالقبول" المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ص (١٢٣) ط مكتبة القرآن..
٧ عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي:"يا عبادي. إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني. ولن تبلغوا نفعي وتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم. كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا: أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٧٧) وأحمد في مسنده (٥/١٥٤، ١٧٧) والترمذي في سننه(٢٤٩٥) وكذا ابن ماجه (٤٢٥٧)..
٨ أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٦٩) ضمن حديث طويل عن كعب بن مالك في توبته من تخلفه عن غزوة تبوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه مختصرا أحمد في مسنده (٣/٤٥٥) وأبو داود في سننه (٢٧٧٣).
.

٩ انظر سبب نزول الآية في تفسير القرطبي (٤/٣١٦٨) وأسباب النزول للواحدي (ص١٤٨).
١٠ الرجل هو ماعز ابن مالك الأسلمي، أخرج قصته البخاري في صحيحه (٦٨١٥) ومسلم (١٦٩١) وفي بعض طرق مسلم أن ماعز قال: يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزينا وإني أريد أن تطهرني. أما المرأة فهي الغامدية. أخرج قصتها مسلم (١٦٩٥)..
١١ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمرأة فرجمت. ثم صلى عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال:" لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لو سعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى" أخرجه مسلم في صحيحه (١٦٩٦) وأحمد في مسنده (٤/٤٤٠).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير