واتقاء شرهم، روى أنهم بنو أسد وغطفان، وهم يتربصون بكم مصائب الدهر التي تدور بالناس وتحيط بهم، وذلك أنهم لما يئسوا من غلبة المشركين من كفار قريش ويهود المدينة أخذوا يتربصون بالمسلمين وينتظرون بهم حوادث الأيام كموت النبي صلّى الله عليه وسلم والقضاء على الدعوة الإسلامية وهكذا شأن الضعفاء والجبناء.
عليهم الدائرة السوءى وهذا دعاء من الله عليهم محقق الوقوع قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا [سورة التوبة الآية ٥٢] والله سميع عليم لا يخفى عليه شيء.
وليس هذا شأن الأعراب كلهم بل منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا كاملا- قيل: هم بنو أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة، وقيل: هم بنو مقرن- ويتخذ لنفسه ويختار أن ما ينفقه لأمرين: أحدهما قربات عند الله وزلفى، والثاني: أنه سبب في دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه كان يدعو للمتصدق بالبركة، ويستغفر له، ودعاؤه صلّى الله عليه وسلّم أمنيتهم المحبوبة.
وقد بين الله جزاء هؤلاء الأعراب فقال: ألا إنها قربة لهم عظيمة ودرجة رفيعة أنا أعلم بها، وسيدخلهم الله في رحمته ورضوانه إن الله غفور رحيم.
الناس أنواع [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢]
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)
المفردات:
مَرَدُوا مرنوا عليه وحذقوه حتى بلغوا الغاية القصوى فيه.
المعنى:
مما أكرم الله به النبي صلّى الله عليه وسلّم أن جعل أمته وسطا عدولا خيارا شهداء على الناس يوم القيامة، وكانت أمته خير أمة أخرجت للناس لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله حقا، وكان خيارها أصحابه- رضي الله عنهم- وأعلاهم في الشرف السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
أما السابقون من المهاجرين وهم الذين صلوا إلى القبلتين [إلى الكعبة وإلى بيت المقدس] وقيل: هم المهاجرون قبل صلح الحديبية، لأن المشركين قبل ذلك كانوا يضطهدون المؤمنين ويعذبونهم أشد العذاب، ويحاربونهم في عقر دارهم فكان الفرار منهم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة أعظم دليل على صدق الإيمان وأكبر تضحية للإنسان، وقيل: هم أهل بدر، وإذا كان السبق في الإيمان والهجرة والجهاد والبذل والنصرة، كان أفضل السابقين الخلفاء الأربعة على الترتيب ثم باقى العشرة المبشرين بالجنة، وليس كل سابق أفضل من مسبوق.
وأما السابقون من الأنصار فهم الذين أسلموا قبل أن يكون للمسلمين قوة مرهوبة الجانب، وقيل: هم أصحاب البيعة الأولى وكانوا سبعة أو أصحاب البيعة الثانية وكانوا سبعين رجلا وامرأتين، أما بعد أن صار للمسلمين دولة فقد ظهر النفاق في المدينة وما حولها، وأما الذين اتبعوهم بإحسان في الهجرة والنصرة وصدق الإيمان، فهم الذين
دخلوا في الدين بعد ذلك واتبعوا السابقين بإحسان، وقلدوهم في الأفعال والأقوال وحسن الاقتداء.
وهذا الوصف للتابعين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ يتضمن الشهادة من الله- سبحانه وتعالى- للسابقين بكمال الإحسان، وعلو الإيمان، فهم المتبوعون، وفي المثل العليا والإحسان هم المقلدون، أما من اتبعوهم في ظاهر الإسلام فقط أو في بعض الأعمال فالآيات الآتية بينت حالهم.
هؤلاء السابقون من المهاجرين والأنصار والتابعين- رضى الله عنهم- وقبل طاعتهم وتجاوز عن سيئاتهم وأعز بهم الإسلام كل ذلك بسبب أعمالهم.
ورضوا عنه لما وفقهم إلى الخير، وهداهم إلى الحق وأفاض عليهم من النعم الدينية والدنيوية، وأعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا: وذلك هو الفوز العظيم.
وهنا سؤال: ما المراد بالتابعين؟ هل هم كما فسرنا أولا وهم الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد صلح الحديبية وفتح مكة؟ أم هم التابعون الذين اجتمعوا بالصحابة ولم يشرفوا بصحبة النبي؟ أم هم الداخلون في الدين المهاجرون ما نهى الله عنه، الناصرون لدين الله باللسان والسنان، والقوة والبيان إلى يوم القيامة الله أعلم بكتابه وإن كان الظاهر من قوله اتبعوهم أنهم الصحابة المتأخرون في الإيمان، وأما التابعون المجتمعون بالصحابة كالفقهاء السبعة (سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير.. إلخ). فهذا اصطلاح خاص بعد نزول القرآن.
بعد أن بين الله- سبحانه- مكانة المؤمنين بين مردة المنافقين من أهل البدو والحضر: أن بعض الأعراب الذين حولكم أيها المؤمنون منافقون. قال بعضهم: هم من قبيلة مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار كانت منازل هؤلاء حول المدينة والمراد أن بعضهم منافقون، وبعضهم مؤمنون صادقون يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويتخذون ما ينفقون قربات وزلفى إلى الله، والرسول صلّى الله عليه وسلّم دعا لهم بخير وبركة.
وإنه لمن أهل المدينة نفسها منافقون من الأوس والخزرج واليهود غير من تعرفهم- أيها الرسول- بما صدر عنهم من أقوال وأفعال منافية للإيمان.
هؤلاء مردوا على النفاق ومرنوا عليه مرونا جعلهم متأصلين فيه، قد بلغوا غاية إتقانه، بحيث لا يعرفهم أحد، فهم حريصون جدا لا يصدر منهم ما يتنافى مع ظاهر إيمانهم، ولذلك لا تعرفهم أنت مع بعد نظرك، ودقة فراستك، التي تنظر فيها بنور الله وذلك لأنهم أجادوا النفاق، وتجنبوا الشبهات، وانظر إلى نفى العلم عن ذواتهم لا عن نفاقهم، والله يعلمهم لأنه يعلم السر وأخفى، ولو شاء لاطلعك عليهم كما أطلعك على غيرهم أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ [سورة محمد الآيتان ٢٩ و ٣٠].
هؤلاء سنعذبهم مرتين: مرة في الدنيا بفضيحتهم وهتك سترهم وتكليفهم بتكاليف الإسلام من جهاد وزكاة، والحال أن أعمالهم كسراب بقيعة لا تنفعهم بشيء.. ومرة في الآخرة بالعذاب الشديد والجزاء المناسب لجرم عملهم وسوء صنيعهم ثم يردون إلى عذاب عظيم.
نعود إلى القول المختار من هذه الآيات نزلت في بيان حال الناس أيام النبي صلّى الله عليه وسلم فمنهم السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم من المهاجرين والأنصار، ومنهم التابعون لهم بإحسان الذين جاءوا من بعدهم وهاجروا وجاهدوا معهم فأولئك منهم. لهم جميعا الرضوان وذلك هو الفوز العظيم.
ومن الناس المنافقون من سكان البدو والحضر خصوصا المدينة وهؤلاء تأصل فيهم النفاق، عليهم غضب الله وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا.
ومن الناس قوم تخلفوا ولم ينافقوا فليسوا من السابقين ولا من التابعين ولا من المنافقين هؤلاء نزل فيهم قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية.. والمعنى: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة أناس آخرون اعترفوا بذنوبهم ولم ينكروها قد خلطوا عملا صالحا وهو الاعتراف بالذنب والتوبة والرجوع إلى الله، والجهاد مع النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل ذلك، وآخر سيئا وهو التخلف بغير عذر، فلم يكونوا من المؤمنين الخلص، ولا من المنافقين الفاسقين،
روى أنهم ربطوا أنفسهم في سوارى المسجد وأقسموا لا يحلنهم إلا رسول الله. فلما قدم رسول الله وعلم بخبرهم أقسم لا يحلنهم حتى ينزل
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي