ثم ذكر سبحانه حال طائفة من المسلمين وهم المخلطون في دينهم فقال : وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ وهو معطوف على قوله : منافقون : أي وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة قوم آخرون، ويجوز أن يكون آخرون مبتدأ، واعترفوا بذنوبهم صفته، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً خبره، والمعنى : أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوّغ للتخلف، ثم ندموا على ذلك، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون، بل تابوا واعترفوا بالذنب، ورجوا أن يتوب الله عليهم.
والمراد بالعمل الصالح : ما تقدّم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام، وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن. والمراد بالعمل السيئ : هو تخلفهم عن هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا العمل السيئ عملاً صالحاً، وهو الاعتراف به والتوبة عنه، وأصل الاعتراف : الإقرار بالشيء. ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي، والعزم على تركه في الحال والاستقبال، وقد وقع منهم ما يفيد هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله. ومعنى الخلط : أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر، كقولك : خلطت الماء باللبن، واللبن بالماء. ويجوز أن تكون الواو بمعنى الباء، كقولك : بعت الشاة شاة [ ودرهما ] : أي بدرهم، وفي قوله : عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ دليل على أنه قد وقع منهم مع الاعتراف ما يفيد التوبة، أو أن مقدّمة التوبة وهي الاعتراف قامت مقام التوبة، وحرف الترجي وهو عسى، هو في كلام الله سبحانه يفيد تحقق الوقوع ؛ لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب لكونه أكرم الأكرمين إِنَّ الله غَفُور رَحِيم أي : يغفر الذنوب ويتفضل على عباده.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الأعراب الآية، قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيباً، فقال :«قم يا فلان فاخرج، فإنك منافق»، اخرج يا فلان، فإنك منافق، فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم، ولم يكن عمر بن الخطاب يشهد تلك الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن الناس قد انصرفوا، واختبأوا هم من عمر، وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر المسجد، فإذا الناس لم ينصرفوا، فقال له رجل : أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم، فهو : العذاب الأوّل، والعذاب الثاني : عذاب القبر. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الأعراب قال : جهينة ومزينة، وأشجع وأسلم وغفار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله : مَرَدُواْ عَلَى النفاق قال : أقاموا عليه، ولم يتوبوا كما تاب آخرون. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في الآية قال : ماتوا عليه : عبد الله بن أبيّ، وأبو عامر الراهب، والجدّ بن قيس. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ قال : بالجوع والقتل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي مالك، قال : بالجوع وعذاب القبر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن قتادة قال : عذاب في القبر، وعذاب في النار. وقد روى عن جماعة من السلف نحو هذا في تعيين العذابين، والظاهر ما قدّمنا.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، في قوله : وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رجع عليهم فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم ؟ قالوا : هذا أبو لبابة، وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تطلقهم وتعذرهم، قال : وأنا أقسم بالله، لا أطلقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فنزلت : عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وعسى من الله واجب، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر لنا، قال :
ما أمرت أن آخذ أموالكم، فأنزل الله عزّ وجل : خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ يقول : استغفر لهم إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ يقول : رحمة لهم، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم، وكانوا ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فأرجئوا سنة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم ؟ فأنزل الله عزّ وجل : لَقَدْ تَابَ الله على النبي إلى قوله : وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ إلى قوله : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم يعني : إن استقاموا. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، مثله سواء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد في قوله : اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ قال : هو أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه بأن محمداً يذبحكم إن نزلتم على حكمه، والقصة مذكورة في كتب السير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله : خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا قال : غزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وَآخَرَ سَيِّئاً قال : تخلفهم عنه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : وَصَلّ عَلَيْهِمْ قال : استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوها إِنَّ صلواتك سَكَن لَهُمْ قال : رحمة لهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قال :«اللهم صلّ على آل فلان»، فأتاه أبي بصدقته فقال :«اللهم صلّ على آل أبي أوفى». وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ قال : هذا وعيد من الله عزّ وجلّ. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في الشعب، وابن أبي الدنيا، والضياء في المختارة، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوّة، لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان» وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة، في قوله : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله قال : هم الثلاثة الذين خلفوا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال : هم هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله : إِمَّا يُعَذّبُهُمْ يقول : يميتهم على معصية وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فأرجأ أمرهم ثم نسخها فقال : وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني