ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

فئات الناس في مجتمع المدينة
يتركب المجتمع المدني من فئات مختلفة وأصناف شتى، فهناك المستقيم المحسن، والمعوج المسيء، والمتوسط المحايد، وهكذا كان أصناف الناس في المدينة المنورة في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، فمنهم الطبقة العليا من أهل الإيمان، ومنهم الفئة الدنيا الوالغة في الكفر والضلال، ومنهم الفئة المتوسطة التي جمعت بين الخير والشر، وخلطت العمل الصالح بالسيئ، وهذا التركيب الفئوي ذكره القرآن الكريم بصريح نصوصه، فقال تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢]
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)
«١» «٢» [التوبة: ٩/ ١٠٠- ١٠٢].
هذه الآية تبين المنزلة الرفيعة التي تبوأها الصحابة الكرام من السابقين الأولين في الهجرة والنصرة للنبي والإسلام، من المهاجرين من مكة إلى المدينة والأنصار في المدينة، ومن التابعين الذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم، ورضوا عن الله بما أسبغ عليهم من نعمه الدينية والدنيوية، فأنقذهم من الشرك والضلال، ووفقهم إلى الخير، وهداهم إلى الحق، وأعزهم وأغناهم، وأعزّ بهم الإسلام، وأعد وهيأ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا على الدوام، وذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز غيره، وهو فوز شامل، كما أن نعيم الجنة نعيم مادي وروحاني معا.

(١) تمرنوا عليه وتدربوا.
(٢) أي شديد.

صفحة رقم 910

والصحابة الكرام: هم كل من لقي النبي صلّى الله عليه وسلّم مؤمنا به ومات على الإسلام، وهم في الفضل درجات، وأفضلهم الذين سبقوا إلى الإسلام والهجرة ونصرة نبي الله.
والتابعون لهم بإحسان، أي بالإيمان والطاعة: هم الذين أدركوا أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وهذا التعبير يشمل جميع الأتباع إلى يوم القيامة، كما
نبّه إليه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار».
والحكم بالرضا عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم: هو الحكم بالرضا عنهم من الله بإدخالهم الجنة وغفر ذنوبهم، والحكم برضاهم عن ربهم في شكرهم وحمدهم على نعمه، وإيمانهم به وطاعتهم له، جعلنا الله من الفائزين برحمته وفضله ومنّه. والاتباع المطلوب: هو الإتباع بإحسان، أي إحسان الأعمال والنيات والظواهر والبواطن، وأما الاكتفاء بظاهر الإسلام فلا يحقق شرط الإحسان، والمتبعون بإحسان مع الصحابة هم خير أمة أخرجت للناس، وهم الأمة الوسط العدول الخيار. ومرتبة هؤلاء في الإسلام في القمة لا يعلوها مقام.
وكان يجاور هؤلاء الوسط الخيار فئة من المنافقين كانوا في المدينة المنورة وما حولها، من أهل البدو والحضر. وهم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار وعصيّة ولحيان وغيرهم من القبائل المجاورة للمدينة، كان منهم وليسوا كلهم قوم منافقون، مرنوا على النفاق ومردوا عليه وتأصلوا فيه، لا تعلمهم ولا تعرفهم بأعيانهم أيها النبي، ولا تعلم عاقبة أمورهم، وإنما نحن نختص بعلمهم ومعرفتهم، وهؤلاء سنعذبهم مرتين: مرة في الدنيا بفضيحتهم وهتك سترهم وتكليفهم بتكاليف الإسلام من جهاد وزكاة دون أن يستفيدوا منها، ومرة في الآخرة نردهم إلى عذاب شديد مناسب لعملهم هو النار. وعذاب المرة الأولى هو القتل والجوع. ولا خلاف بين المتأولين أن العذاب العظيم الذي يردون إليه هو عذاب الآخرة، وأكثر الناس أن

صفحة رقم 911

العذاب المتوسط هو عذاب القبر، وإذا كان النبي ذاته لم يعلم بأعيان المنافقين في عصره، فما بال أقوام يتكلفون علم الناس: فلان في الجنة، وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري.
وهناك فريق آخر حول المدينة أقروا بمعاصيهم واعترفوا بها لربهم، ولهم أعمال أخر صالحة، خلطوا أعمالهم الصالحة وهي التوبة والندم بالسيئة وهو التخلف عن غزوة تبوك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه، لعل الله أن يتوب عليهم، إن الله غفور لمن تاب، رحيم بمن أحسن وأناب. وهؤلاء ثلاثة أشخاص أو سبعة تخلفوا عن غزوة مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهم أبو لبابة الأنصاري ورجلان معه، تفكروا وندموا، ثم أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، ولم يطلقوها، وظلوا على هذه الحال في حر شديد سبعة أيام، وأقسموا ألا يطعموا ولا يشربوا حتى يعفو الله عنهم أو يموتوا، فنزلت هذه الآية: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ.. فلما نزلت أطلقهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بنفسه وعذرهم. وهذا يدلنا على أن الكثير من الناس الذين يخلطون العمل الصالح بالفاسد، يجب عليهم ألا يقنطوا من رحمة الله، وعليهم المبادرة إلى التوبة، فإن رحمة الله قريب من المحسنين.
أثر التوبة النصوح
إذا انحرف الإنسان عن أوامر الله ونواهيه، ثم تاب وأناب وأحسن العمل، توقف قبول أعماله على إذن الله ورضاه، وهذا ما كان عليه الحال في صدر الإسلام.
فإن الجماعة التائبة التي ربطت أنفسها بسواري المسجد، وخلطت العمل الصالح بالسيئ،
جاءت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما تيب عليها، فقالت: يا رسول الله، إنا نريد أن

صفحة رقم 912

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية