قوله تعالى: لَّمَسْجِدٌ : فيه وجهان أحدهما: أنها لام الابتداء. والثاني: أنها جوابُ قسمٍ محذوف، وعلى التقديرين فيكون «لَمَسْجِدٌ» مبتدأ، و «أُسِّس» في محل رفع نعتاً له، و «أحقُّ» خبره، والقائمُ مقامَ الفاعل ضميرُ المسجد على حذف مضاف أي: أُسس بنيانه.
«مِنْ أولِ» متعلقٌ به، وبه استدلَّ الكوفيون على أن «مِنْ» تكون لابتداء الغاية في الزمان، واستدلوا أيضاً بقوله:
| ٢٥٤٣ - مِنَ الصبحِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ لا ترى | من القوم إلا خارجيّاً مُسَوَّما |
| ٢٥٤٤ - تُخُيِّرْن مِنْ أزمانِ يومِ حَليمةٍ | إلى اليوم قد جُرِّبْن كلَّ التجاربِ |
وقوله: أَحَقُّ ليس للتفضيل بل بمعنى حقيق، إذ لا مفاضلةَ بين المسجدَيْن، و «أن تقوم» أي: بأن تقوم، والتاء لخطاب الرسول عليه السلام، و «فيه» متعلقٌ به.
قوله: فِيهِ رِجَالٌ يجوز أن يكونَ «فيه» صفةً لمسجد، و «رجال» فاعل، وأن يكونَ حالاً من الهاء في «فيه»، و «رجالٌ» فاعلٌ به أيضاً، وهذان أولى من حيث إن الوصف بالمفرد أصل، والجارُّ قريبٌ من المفرد. ويجوز أن يكون « صفحة رقم 122
فيه» خبراً مقدماً، و «رجال» مبتدأ مؤخر. وفيه هذه الجملة أيضاً ثلاثة أوجه، أحدها: الوصفُ، والثاني: الحالُ على ما تقدم، والثالث: الاستئنافُ.
وقرأ عبد الله بن زيد «فيهِ» بكسر الهاء، و «فيهُ» الثانية بضمها وهو الأصل، جَمَعَ بذلك بين اللغتين، وفيه أيضاً رفعُ توهُّمِ التوكيد، ورفعُ توهُّمِ أن «رجالاً» مرفوع ب «تقوم».
وقوله: يُحِبُّونَ صفة ل «رجال» وأن [يتطهروا] مفعول به. وقرأ طلحة بن مصرف والأعمش «يَطَّهَّرُوا» بالإِدغام، وعلي بن أبي طالب «المتطهِّرين» بالإِظهار، عكس قراءات الجمهور في اللفظتين.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط