نزلت هذه الآيات الأربع في واقعة حال من مكايد المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم و للمؤمنين، لم أرى أحدا بين حكمة خاصة لتأخيرها عن أمثالها مما نزل في أعمال المنافقين. ووضعها هنا في سياق توبة المذنبين من المؤمنين : ما تقدم منها فقبل، وما تأخر فأرجئ، وقد بينا الحكمة العامة في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ـ وهو تجديد الذكرى والعظة، وما تقتضيه من التأثير والعبرة ـ في مواضع متعددة من الكلام على التناسب ووجوه الاتصال بين الآيات. ولعل بعض ضعفاء المؤمنين كانوا قد شايعوا أولئك المنافقين الاثني عشر الذين بنوا مسجد الضرار في عملهم جاهلين مقاصدهم منه، فأريد بوضع القصة وإبهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم أن يتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه، ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم، ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً هذا نهي للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بالتبع له عن الصلاة فيه مؤكد بلفظ الأبد الذي يستغرق الزمن المستقبل، وتفسير القيام بالصلاة هنا مروي عن ابن عباس وهو معهود في التنزيل كقوله : وقوموا لله قانتين [ البقرة : ٢٣٨ ] وقوله : قم الليل إلا قليلا [ المزمل : ٢ ]، والنهي عن القيام المطلق يتضمن النهي عن القيام للصلاة، ولكنها هي المقصودة بالنهي لطلبهم لها به صلى الله عليه وسلم.
لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَولِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ اللام الداخلة على المسجد للقسم أو للابتداء. والتأسيس وضع الأساس الأول للبناء الذي يقوم عليه ويرفع، والمراد منه هنا القصد والغرض من البناء، والتقوى الاسم الجامع لما يرضي الله ويقي من سخطه، أي أن مسجدا قصد ببنائه منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى الله تعالى بإخلاص العبادة له، وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى، هو أحق أن تقوم فيه أيها الرسول مصليا بالمؤمنين من غيره، ولاسيما ذلك المسجد الذي وضع أساسه على المقاصد الأربعة الخبيثة، والسياق يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد قباء، وقد صح في أحاديث رواها الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنه فأجاب بأنه مسجده الذي في المدينة، ففي رواية مسلم عن أبي سعيد أنه لما سأله أخذ صلى الله عليه وسلم كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال :" هو مسجدكم هذا " (١)، وفي رواية لأحمد عنه وعن سهل بن سعد " هو مسجدي هذا " (٢)، ولفظ الآية لا يمنع من إرادة كل من المسجدين، لأن كلا منهما قد بناه النبي صلى الله عليه وسلم ووضع أساسه على التقوى من أو يوم شرع فيه ببنائه، أو من أول يوم وجد في موضعه ( والتحقيق أن " من " تدخل على الزمان والمكان ).
فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ هذه جملة وصف بها المسجد الذي أسس على التقوى تؤكد ترجيح القيام مع أهله المطهرين في مقابل أهل مسجد الضرار وهم رجس، والمعنى : فيه رجال يعمرونه بالاعتكاف وإقامة الصلاة، وذكر الله وتسبيحه فيه بالغدو والآصال، يحبون أن يتطهروا بذلك من كل ما يعلق بأنفسهم من درن الآثام، أو التقصير في إقامة دعائم الإسلام، كما تطهر المتخلفون منهم عن غزوة تبوك بالتوبة والصدقات، ومن لوازم عمارته المعنوية والعكوف فيه طهارة الثوب والبدن الحسية، وطهارة الوضوء والغسل الحكمية، فالتطهر صيغة مبالغة تشمل الطهارتين النفسية والبدنية، ووردت الروايات بكل منهما، ولكل من الاستعمالين موضع من التنزيل، والجمع بينهما هو الأولى.
واللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أي المبالغين في الطهارة الروحية والجسدية، وإنما يبالغون فيها إذا أحبوها، وحينئذ تكمل إنسانيتهم المؤلفة من الروح والجسد. ولا يطيق نجاسة البدن وقذارته إلا ناقص الفطرة والأدب، وأنقص منه من يطيق خبث النفس بالإصرار على المعاصي والعادات القبيحة، والتخلق بالأخلاق الذميمة. دع رجس المنافقين المرائين في الأعمال، الأشحة الباخلين بالأموال. وأما حب الله المستحقين لحبه، فهو من صفات كماله، لأن العالم بتفاوت الأشياء في الحسن والقبح، والكمال والنقص، يكون من أفضل صفاته حب الجمال والكمال والحق والخير، وبغض أضدادها وكراهتها، وحبه اللائق بربوبيته منزه عن مشابهة حبنا، كتنزه ذاته وسائر صفاته عن مشابهة ذواتنا وصفاتنا، ولكن يظهر أثره في المحبوبين من عباده في أخلاقهم وأعمالهم، ومعارفهم وآدابهم، وأعلاه ما أشار إليه حديث البخاري القدسي :" ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به " (٣) الخ.
وقد قال الله تعالى معللا ما وعظ به نساء نبيه صلى الله عليه وسلم من أمره ونهيه لهن بما يليق بمكانتهن من رسوله إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ الأحزاب : ٣٣ ].
وقد فسر بعض المفسرين محبته تعالى للمطهرين برضاه عنهم وإحسانه إليهم، وهو تأويل فسر به اللفظ ببعض لوازمه، فإن كان هربا من نظرية من قال من المتكلمين : إن اتصاف الله تعالى بالحب محال ؛ لأنه انفعال نفسي يستحيل على ذي الجلال، فيجب تفسيره بلازمه المذكور كما قال بعضهم في الرحمة وغيرها من الصفات، فهو هروب من مذهب السلف الحق، ووقوع فيما فروا منه بالتأويل، وهو تشبيه الله بخلقه. إذ يقال لهم : إن الرضا عاطفة نفسية كالحب، والإحسان عمل بدني كبسط اليد بالبذل، وهما يسندان إلى الناس فلا يصح أن يوصف بهما الخالق عز وجل ؛ لأنه تشبيه له بالخلق، كذا العلم والقدرة والمشيئة والكلام، وغيرهما من صفات الذات، فإن كلا منها وضعت في اللغات، لمعانيها المعروفة في المخلوقات، ككون العلم صور المعلومات المنتزعة منها في الذهن، وهو بهذا المعنى محال على الله عز وجل. وإذا كان الأمر كذلك فالحق أن يوصف تعالى بما وصف به نفسه على ظاهره بقيوده الثلاثة التي قررها السلف الصالح : أي بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل. فعلمه تعالى انكشاف يليق به، وحبه معنى نفسي يليق به الخ.
ذكر السيوطي في الدر المنثور عدة روايات حاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن سبب ثناء الله تعالى عليهم بهذه الآية، فأجابوه بأنهم يستنجون بالماء، وفي بعضها أنهم يتبعون الحجارة بالماء، وذكر أن ابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وغيرهم رووا عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآية لما نزلت فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ؟ " قالوا : نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. قال :" فهل مع ذلك غيره ؟ قالوا : إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء قال :" هو ذاك فعليكموه ". (٤)
أقول طلحة بن نافع هذا ثقة روى عنه الجماعة كلهم، ولكن رواية البخاري عنه مقرونة بغيره، وهي أربعة أحاديث رواها عن جابر. ولعله اقتصر عليها، لقول شيخه علي بن المديني : إنه لم يرو عن جابر غيرها، أي لم يصح عنده غيرها. وقال أبو حاتم : إنه لم يسمع من أبي أيوب، ولكنه هنا صرح بالسماع منه فيما رواه من ذكر وغيرهم.
وحديثه هذا على كل حال أقوى من أحاديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أهل مسجد قباء وجعله الثناء عليهم، وهو في سؤال الأنصار، والمسئولون منهم كلهم من سكان المدينة، وتؤيده الأحاديث الصحيحة الناطقة بأن المسجد الذي أثنى الله عليه وعلى أهله هو مسجده فيها. وقد قلنا : إنه لا مانع من إرادة كل منهما، وهو أولى من القول بتعارضهما، كما أن الروايات فيهما لا تنافي إرادة نوعي الطهارة كليهما، ويؤيد إرادة الطهارة المعنوية قوله تعالى : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوى مِنَ اللّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
٢ أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١٤، والنسائي في المساجد باب ٨، وأحمد في المسند ٣/٨، ٥/١١٦، ٣٣١، ٣٣٥..
٣ أخرجه البخاري في الرقاق باب ٣٨، وأحمد في المسند ٦/٢٥٦..
٤ أخرجه بن ماجة في الطهارة باب ٢٨، وأحمد في المسند ٣/٤٢٢، ٦/٦..
تفسير المنار
رشيد رضا