وَرُوِيَ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ قُبَاءٍ، أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ لِيَأْذَنَ لِمُجَمَّعَ بْنَ حَارِثَةَ فَيَؤُمَّهُمْ فِي مَسْجِدِهِمْ، فَقَالَ: لَا وَلَا نِعْمَةُ عَيْنٍ، أَلَيْسَ بِإِمَامِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ؟ فَقَالَ لَهُ مُجَمَّعٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ فِيهِ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ مَا أَضْمَرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ عَلِمْتُ مَا صَلَّيْتُ مَعَهُمْ فِيهِ، كُنْتُ غُلَامًا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، وَكَانُوا شُيُوخًا لَا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ فَصَلَّيْتُ وَلَا أَحْسَبُ إِلَّا أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ أَعْلَمْ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَعَذَرَهُ عُمَرُ وَصَدَّقَهُ وَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عُمَرَ الْأَمْصَارَ أمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبْنُوا الْمَسَاجِدَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَبْنُوا فِي مَدِينَتِهِمْ مَسْجِدَيْنِ يُضَارُّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.
لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَا تُصَلِّ فِيهِ" مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى اللَّامُ لَامُ الِابْتِدَاءِ. وَقِيلَ: لَامُ الْقَسَمِ، تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ، أَيْ: بُنِيَ أَصْلُهُ عَلَى التَّقْوَى، مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَيْ: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ بُنِيَ وَوُضِعَ أَسَاسُهُ، أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ مُصَلِّيًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى: فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: هُوَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، مَسْجِدُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ:
مَا أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْخَرَّاطِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَرَّ بِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ فَقَالَ: قَالَ أَبِي: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنَ الْحَصْبَاءِ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ (١).
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشَّيْرَزِيُّ أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي" (٢).
(٢) أخرجه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر: ٣ / ٧٠، ومسلم في الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، برقم (١٣٩١) : ٢ / ١٠١١. والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٣٣٨.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر