ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ

ويقول الحق بعد ذلك :
لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( ١٠٨ ) .
فهل قوله الحق : لا تقم١ فيه أبدا معناه أن يظل المسجد قائما ولا تقام في صلاة ؟ هل لا تقم فيه أبدا صيغتها النهي، أي لا يصلّ فيه، أن أنها إخبار من الحق بأنك تقيم فيه صلاة أبدا، لأنه لن يكون له وجود ؟.
إن قوله الحق سبحانه يعني أن هذا المسجد يجب ألا يكون له وجود، ثم تجد الله سبحانه وتعالى سيقول : لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه إذن : فالمسألة ليست في بناء المسجد، ولكنها فيمن يدخل المسجد ويعمره، فهنا مسجد، وهناك مسجد، أما المسجد الأول٢ فقد أسس على التقوى، وفيه أناس يحبون أن يتطهروا، أما مسجد الضرار فقد أقامه منافقون يحبون أن يتقذروا ؛ لأنهم المقابل لمن يحبون أن يتطهروا.
ومعنى الحب هو ميل الطبع إلى الشيء تنبسط له النفس وتخفّ لعمله.
وحينما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم هذا ؟ قالوا : يا رسول الله نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهل مع ذلك من غيره ؟ "
وهنا قال أهل قباء :" لا، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء " ٣، وكان الواحد منهم يمسك الحجر ويمسح به محل قضاء الحاجة ؛ فيخف في استخدام المياه ؛ لأن المياه كانت قليلة عندهم، ثم يستخدم الماء بعد الأحجار٤ ليكمل ويتم نظافته، وأضافوا :" ولا نبيت على جنابة، ولا نصرّ على ذنب، فإن غابنا الذنب تعجّلنا التوبة ".
يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين والحب هنا متبادل، فلا شيء أقسى على النفس من أن يكون الحب من طرف واحد، وهذا هو الشقاء بعينه. والشاعر يقول :

أنت الحبيب ولكني أعوذ بك من أكون حبيبا غير محبوب
وشقاء المحبين أن يكون الحب من جانب واحد، أما حين يكون الحب متبادلا من الجانبين فهو قمة الإسعاد، وكذلك حين تكون العداوة من جانبين فهي تأخذ قمة الإيعاد والإبعاد، فحين تكون العداوة من جانب واحد، تنتهي بسرعة، لكن عندما تكون من الجانبين فإنها لا تنتهي بل تزداد اشتعالا.
إذن : فحين يكون الحب متبادلا تجد المحب كلما رأى حبا من حبيبه رد عليه بحب، فينمو الحب ويزداد، ولا يكون الأمر كذلك إلا إذا كان حب القلوب فيما لا يتغير وهو " الحب في الله " فإذا رأيت حبا بين اثنين يتناقص بمرور الزمن ؛ فاعلم أنه حب لغير الله، وإن رأيت الحب ينمو كل يوم، فاعلم أنه حب في الله.
والحق سبحانه يقول في قصة فرعون وموسى : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا... ( ٨ ) ( القصص )، هم لم يلتقطوه ليكون عدوا لهم ؛ فهذا الاحتمال لو كان قد جاء في بال آل فرعون لقتلوه، ولكنهم التقطوه ليكون قرة عين لهم، فلنظر كيف يدخل الله على تغفيل الكافرين به٥، فآل فرعون هم من يربون موسى ؛ ولذلك قال له فرعون : ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ( ١٨ ) ( الشعراء )ولكن موسى عليه السلام لا يجامل في الحق ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو من ربّاه، أما تربية فرعون فلم يكن لها اعتبار في يزان الحق، وقد تكون العداوة هينة لو كانت من جانب موسى وحده، ولكن شاء سبحانه ألا تكون العداوة من جانب موسى فقط، بل من جانب فرعون أيضا، فيقول سبحانه :
{ يأخذه عدو لي وعدو له... ( ٣٩ ) ( طه )
ويقول سبحانه في مجال الحب المتبادل : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه.... ( ٥٤ ) ( المائدة ).
فحين يحبون الله يرد سبحانه على تحية الحب بحب زائد٦، وهم يريدون على تحية الحب منه سبحانه بحب زائد، وهكذا تتولى زيادات وزيادات ؛ حتى نصل إلى قمة الحب، ولكن الحب عند الله لا نهاية له، وأنت حين تقرأ القرآن تجد قوله سبحانه وتعالى :
{ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى... ( ٥٩ ) ( النمل )
ويقول سبحانه أيضا : تحيتهم يوم يلقونه سلام... ( ٤٤ ) ( الأحزاب )
لم يأت سبحانه هنا ب " ال " التعريفية ؛ لأنها لو جاءت لا نحصر السلام في لون واحد. فأنت حين تقول : لقيت الرجل، فأنت تحدد الرجل. لكنك إن قلت لقيت رجلا. فقد يكون الرجل هذا أو ذاك أو غيرهما. فإن جاء الإسم نكرة صار شائعا، أما إن كان بالتعريف فيكون محددا.
والحق حين تكلم عن يحيى عليه السلام قال :
وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ( ١٥ ) ( مريم )
لأنه لا يريد أن يكثر السلام. وحين تكلم عيسى عليه السلام عن نفسه قال :
والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ( ٣٣ ) ( مريم )
وحين يلقاك إنسان فهو يقول لك " سلام عليكم " وأنت ترد :" وعليكم السلام "، لماذا ؟ لأن " سلام عليكم " معناها أن السلام مني يكون عليك وعلى غيرك، أما ردّك " وعليكم السلام " فيعني أنك خصصته بهذا السلام.
وهنا الآية التي نحن بصدد خواطرنا في التحية حيث يقول الحق سبحانه :
فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين وهذا لأن الذي يحب أن يكون طاهرا دائما، قد أنس بفيوضات الله عليه٧، وما دامت ذراته كلها طاهرة من النجاسات المعنوية ومن النجاسات الحسية يصبح جهاز استقبال الفيوضات من الله عنده صالحا دائما للاستقبال، والحق سبحانه وتعالى يرسل إمداداته في كل لحظة، ولا تنتهي إمداداته على الخلق أبدا، وسبحانه يصف نفسه بأنه القيوم فاطمئنوا أنتم، فإن كنتم تريدون أن تناموا فناموا ؛ فربكم لا تأخذه سنة ولا نوم.
إذن : فقد جاء الإيمان لا ليتعبنا، كما سبحانه يصف نفسه٨ :
بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء.... ( ٦٤ ) ( المائدة )أي : يطمئن الخلق أنهم بمجرد إيمانهم ستأتيهم إمدادات الله وفيوضاته المعنوية والمادية. فصحّح جهاز استقبالك ؛ بألا توجد فيه نجاسة حسيّة أو نجاسة معنوية ؛ ولذلك إذا رأيت إنسانا عنده فيوضات من الحق فاعلم أن ذرات جسمه مبنية من حلال٩، ولا توجد به قذارة معنوية، ولا قذارة حسّية، ويتضح ذلك كله على ملامح وجهه، وكلماته، وحسن استقباله. وإن كان أسمر اللون فتجده يأسرك ويخطف قلبك بنورانيته. وقد تجد إنسانا أبيض اللون، لكن ليس في وجهه نور ؛ لأن فيوضات ربنا غير متجلية عليه.
وكيف تأتي الفيوضات ؟ إنها تأتي بتنقية النفس ؛ لأن الإنسان إن افتقر إلى الفيوضات الربانية، فعليه أن يبحث في جهازه الاستقبالي. وأضرب هنا مثلا بالإرسال الإذاعي، فمحطات الإذاعة ترسل، ومن يملك جهاز استقبال سليم فهو يلتقط البث الإذاعي، أما إن كان جهاز الاستقبال فاسدا فهذا لا يعني أن محطات الإذاعة لا تبث برامجها.
ولذلك قال الحق : بل يداه مبسوطتان... ٦٤ ) ( المائدة )فاحرص دائما على أن تتناول من يد ربك المدد الذي لا ينتهي، والحديث الشريف يقول :
" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " ١٠.
و الليل قد ينتهي عند إنسان، ويبدأ عند إنسان آخر، وهكذا النهار، فالليل مستمر دائما والنهار مستمر دائما، فيداه سبحانه مبسوطتان دائما ولا تنقبضان أبدا.
١ قام يقوم: نهض معتدلا دون عرج، ويستعار للاعتدال في السلوك الأخلاق، وقام بالمكان مكث فيه على أي حال مثل أقام، ومن ذلك قوله تعالىوإذا أظلم عليهم قاموا (البقرة: ٢٠) أي: توقفوا عن السير يوم تقوم الساعة (١٢) (الروم) أي: تقع وتتحقق، وقولهوإنه لما قام عبد الله يدعوه (١٩) (الجن) أي: نهض واجتهد في الدعوة إلى الله، وهنا النهي منصب على أن الصلاة لا تقام فيه، لأنه لن يكون وجود..
٢ هو مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في الإسلام، بني قبل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم..
٣ أخرجه ابن ماجة في سننه (٣٥٥) والدار قطني في سننه (١/٦٢) والحاكم في مستدركه (١/١٥٥) (٢/٣٣٤) وصححه. قال الزليعي: سنده حسن لكن فيه عتبة بن أبي حكيم ليس بقوي..
٤ هي ثلاثة أحجار يستنجى بها من الغائط، فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزي عنه" أخرجه أحمد (٦/١٠٨، ١٣٣) وأبو داود في سننه (٤٠) والنسائي (١/٤١، ٤٢) والدار قطني (١/٥٤) فأهل قباء كانوا يضيفون الماء بعد هذه الأحجار الثلاثة حجرا بعد الآخر، وذلك لشدة حرصهم على الطهارة..
٥ وفي هذا يقول سبحانه:وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذ ولدا وهم لا يشعرون (القصص: ٩).
٦ عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" أخرجه البخاري في صحيحه (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥).
٧ لأنهم تخلوا عن النجاسات حسا ومعنى، وتحلوا بالطهر والعبادة، فتجلى الله عليهم بفيضه ونوره..
٨ وذلك أن اليهود وصفوا الله سبحانه بأنه بخيل لا ينفق فقالوا:يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنا بما قالوا... (المائدة: ٦٤). وقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن يمين الله لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الفيض، يرفع ويخفض" أخرجه البخاري (٧٤١٩) ومسلم (٩٩٣).
٩ عن عبد الله بن عمروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفس محمد بيده، إن مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيبا ووضعت طيبا" أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/١٩٩).
١٠ أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٥٩) وأحمد في مسنده (٤/٣٩٥، ٤٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير