ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ

قلت : قرأ نافع وابن عامر : بغير واو ؛ مبتدأ حذف خبره، أي : معذبون، أو في :( لا تقم فيه أبداً )، أو في قوله :( لا يزال )، أو صفة لقوله :( وآخرون )، على من يقول : إن " المُرْجَوْن " غير الثلاثة المخلفين، بل في المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنيانهم مسجد الضرار. وهو قرأ بالواو فعطف على قوله :( آخرون )، أو مبتدأ حُذف خبره، أي : وممن وصفنا : الذين، أو منصوب على الذم، و( ضراراً ) وما بعده : علة، وأصل ( هارٍ ) : هائر، فأخرت الهمزة، ثم قلبت ياء، ثم حذفت ؛ لالتقاء الساكنين.
ثم نهاه عن الصلاة فيه فقال : لا تَقُم فيه أبداً للصلاة ؛ إسعافاً لهم، لمسجدٌ أُسسَ على التقوى من أول يوم من أيام وجوده، أحقٌ أن تقوم فيه أي : أولى بأن تصلى فيه، وهو مسجد قباء، أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام مُقامه بقباء، حين هاجر من مكة، من الاثنين إلى الجمعة، وهذا أوفق للقصة. وقيل : مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لقول أبي سعيد : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ؟ فقال :" مسْجدُكم هذا، مَسجِدُ المَدِينَةِ ".
فيه رجال يُحبون أن يتطهروا ، كانوا يستنجون بالماء، ويجمعون بين الماء والحجر، أو يتطهرون من المعاصي والخصال المذمومة، طلباً لمرضات الله تعالى، أو من الجنابة، فلا ينامون عليها، والله يُحبُ المُطَّهرِين ؛ يرضى عنهم، ويُدنيهم من جنابه إدْناء المحب لحبيبه.
وقيل : لما نَزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه المُهاجرون، حتى وقف على باب مسجد قُباء، فإذا الأنصار جُلوس، فقال :" أَمؤمِنونَ أَنتُم ؟ فَسَكَتُوا، فأعادَها، فقال عمر : إنهم مؤمنون وَأَنا مَعَهم، فقال عليه الصلاة والسلام : أَتَرضَونَ بالقَضاء ؟ فقالوا : نعم، قال :" أَتَصبِرون على البلاء ؟ قالوا : نعم، قال : أَتشْكرونَ في الرَّخاء ؟ قالوا : نعم، فقال عليه الصلاة والسلام : مؤمِنُونَ وَرَبِّ الكَعبَةِ، فَجَلَسَ، ثم قال : يا مَعشَرَ الأنْصَار، إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أَثنى عَلَيكم، فما الذي تَصنَعُون عند الوضوء وعِندَ الغائط ؟ فقالوا : يا رسول الله، نُتبع الغائط الأحجارَ الثلاثةَ، ثم نُتبعُ الأحجار المَاء. فقال : رِجَالٌ يُحِبُون أن يتَطَّهَروا ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من أراد أن يؤسس بنيان أعماله وأحواله على التقوى والرضوان، فليؤسسه على الإخلاص والنية الحسنة، ومتابعة السنة المحمدية، فإنها لا تنهدم أبداً، ومن أراد أن يؤسسها على شفا جرف هارٍ فليؤسسها على الرياء والسمعة، وقصد الكرامات وطلب الأعواض، فإنها تنهدم سريعاً ولا تدوم، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير