ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ

[سورة التوبة (٩) : آية ١٠٨]

لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)
قوله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أي: لا تصلِّ فيه أبداً. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى أي: بني على الطاعة، وبناه المتقون مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أي: منذ أول يوم. قال الزجاج: «مِنْ» في الزمان، والأصل: منذ ومذ، وهو الأكثر في الاستعمال. وجائز دخول «من» لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، ومثله قول زهير:
لِمَنِ الديارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ شَهْرِ «١»
وقيل معناه: مِن مَرِّ حِجج ومِن مَرِّ شهر. وفي هذا المسجد ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة الذي فيه منبره وقبره.
(٧٥٦) روى سهل بن سعد أن رجلين اختلفا في عهد رسول الله في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال «هو مسجدي هذا» وبه قال ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب.
(٧٥٧) والثاني: أنه مسجد قباء، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير،
صحيح. أخرجه الترمذي ٣٠٩٩ والنسائي ٢/ ٣٦ وفي «التفسير» ٢٤٨ وأحمد ٣/ ٨ وابن حبان ١٦٠٦ من طرق عن الليث بن سعد عن عمران بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه به. وأخرجه مسلم ١٣٩٨ وابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢ والحاكم ٢/ ٣٣٤ من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه. وكرره مسلم ١٣٩٨ وابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢ عن أبي سلمة عن أبي سعيد بدون واسطة. وأبو سلمة سمع من أبي سعيد. وأخرجه الترمذي ٣٢٣ وابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢ وأحمد ٣/ ٢٣- ٩١ والطبري ١٧٢٣٦ و ١٧٢٣٧ و ١٧٢٣٨ وابن حبان ١٦٢٦ من طرق عن أنيس بن أبي يحيى حدثني أبي قال سمعت أبا سعيد... فذكره وآخره «هو مسجدي هذا، وفي كل خير». فهذه الطرق متعاضدة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أن المراد بذلك مسجده. وله شاهد من حديث سهل بن سعد، أخرجه أحمد ٥/ ٣٣١ وابن حبان ١٦٠٤ و ١٦٠٥ والطبري ١٧٢٣٢ و ١٧٢٣٣ والحاكم ٢/ ٣٣٤ والطبراني ٦٠٢٥، ورجاله ثقات. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وله شاهد من حديث زيد بن ثابت، أخرجه الطبراني ٤٨٥٤ وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن عامر، والصحيح موقوف. والموقوف أخرجه الطبراني ٤٨٢٨ و ٤٨٥٣ وإسناده الأول على شرط الصحيح كما قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣٤. قال الطبري رحمه الله بإثر الحديث ١٧٢٣١: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال هو مسجد النبي ﷺ لصحة الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر «تفسير أحكام القرآن» ١٢١٣ بتخريجنا.
ورد عن ابن عباس، أخرجه الطبري ١٧٢٢٦ وفيه إرسال بين علي بن أبي طلحة وابن عباس. وأخرجه من وجه آخر ١٧٢٢٧ بسند فيه مجاهيل. وورد عن عطية العوفي أخرجه برقم ١٧٢٢٨. وورد عن ابن بريدة، أخرجه برقم ١٧٢٢٩. وورد من مرسل عروة، أخرجه برقم ١٧٢٣١. الخلاصة: هذه الروايات وإن تعددت، لا تقوى على معارضة الصحيح المتقدم. على أن للمتقدم شواهد، والله أعلم.
__________
(١) البيت منسوب لزهير في ديوانه ٨٦. قوله من شهر: أراد به من شهور وأقوين: خلون. والقنة: أعلى الجبل، أو هي الجبل الذي ليس بمنتشر.

صفحة رقم 298

وقتادة، وعروة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، ومقاتل.
والثالث: أنه كل مسجد بني في المدينة، قاله محمد بن كعب.
قوله تعالى: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا. سبب نزولها:
(٧٥٨) أن رجالاً من أهل قباء كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية، قاله الشعبي.

أخرجه الطبري ١٧٢٤٧ عن الشعبي مرسلا. وورد بلفظ مرفوع، وليس بشيء. أخرجه أبو داود ٤٤ والترمذي ٣١٠٠ وابن ماجة ٣٥٧ والبغوي في «التفسير» ١١١٩ وأبو الشيخ وابن مردويه كما في «الدر المنثور» ٣/ ٤٩٧ من طرق عن معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم». خرجه هؤلاء الأئمة بهذا اللفظ! ولا أصل له بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يرد حديث واحد عنه ﷺ أنه قال «نزلت هذه الآية في فلان... أو في كذا... أو نحو ذلك، وإنما الذي يقول نزلت الآية في كذا وكذا إنما هو الصحابي أو التابعي. ومع ذلك إسناده ساقط.
- وقد رأيت العجب في هذا الخبر. حيث سكت عليه أبو داود! مع أنه معلوم أنه ما سكت عليه، فهو صالح لديه. وضعفه الترمذي بقوله: غريب. وضعفه النووي في «المجموع»
٢/ ٩٩ وكذا الحافظ في «التلخيص» ١/ ١١٢. وقال الحافظ في «فتح الباري» ٧/ ٢٤٥/ ٢٩٠٨: وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: نزلت..» وهذا من العجب، وجل الله ربنا إذ يقول وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. وقال الحافظ ابن كثير ٢/ ٤٨٠: يونس بن الحارث ضعيف.
- قلت: إسناده ضعيف جدا، وله علل ثلاث:
- الأولى: معاوية بن هشام القصار، فهو وإن روى له مسلم، ووثقه أبو داود وابن حبان، وقال أبو حاتم:
صدوق. فقد قال ابن معين: صالح، وليس بذاك. وقال عثمان بن أبي شيبة: رجل صدوق، وليس بحجة.
وقال أحمد بن حنبل: هو كثير الخطأ. وقال ابن الجوزي في الضعفاء: روى ما ليس من سماعه، فتركوه، واعترضه الذهبي بأنه ما تركه أحد. ثم ذكر الذهبي كلام ابن معين المتقدم، وذكر له حديثا عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث إليهما شعيب. فقال الذهبي: هذا خطأ، صوابه ما رواه عمرو بن الحارث عن سعيد عن قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. انظر «الميزان» ٤/ ١٣٨ و «التهذيب» ١٠/ ١٩٦- ١٩٧. قلت: وقول الذهبي: ما تركه أحد. فيه نظر. إذ تركه البخاري وغير واحد من الأئمة الثقات. والذي لم يتركه أحد كمالك والثوري وشعبة وأضرابهم، رضي الله عنهم. هذا شيء. والشيء الثاني:
قد أقر الذهبي بأن هشاما هذا وهم في أثر قتادة حيث جعله مرفوعا وبلفظ آخر. وهذا يوافق ما قاله الإمام أحمد: هو كثير الخطأ. فيكون هذا الحديث مما أخطأ فيه فرفعه، وإنما هو من كلام أبي هريرة لا يتعداه البتة.
ولم يتنبه الألباني لهذه العلة في «الإرواء» ١/ ٨٥ حيث ذكر العلة الثانية والثالثة اللّتين سأذكرهما، والله الموفق.
- العلة الثانية: يونس بن الحارث، جزم الحافظ في «التقريب» بضعفه ولم يتابع على هذا اللفظ، وتقدم أن الحافظ صححه في «الفتح». بل ذكر الذهبي في «الميزان» ٤/ ٤٧٦ حديثا آخر غير هذا، وقال: ومن مناكيره.
ثم نقل عن ابن المديني وقد سئل عن يونس هذا- قوله: كنا نضعف ذاك ضعفا شديدا.
- وهذا الذي يليق به في هذا الخبر. والله أعلم.
- العلة الثالثة: جهالة إبراهيم بن أبي ميمونة. جزم بذلك الحافظ في «التقريب».
- فهذه علل ثلاث تقدح في هذا الحديث، وإذا انضم إلى ذلك نكارة المتن، وذلك بجعل «نزلت هذه الآية....» من كلام النبي ﷺ كما جاء في جميع كتب التخريج المتقدمة، علم أنه لا أصل له في المرفوع، وإنما هو موقوف فحسب لا يتعداه، والله أعلم.
- تنبيه: وقد وهم الألباني في هذا الحديث، حيث ذكره في «صحيح أبي داود» ٣٤ وقال: صحيح. وكذا

صفحة رقم 299

(٧٥٩) قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، أتاهم رسول الله فقال: «ما الذي أثنى الله به عليكم»

صححه في «الإرواء» ١/ ٨٥ برقم ٤٥، وقد حكم بضعف إسناده، وأعله بضعف يونس وجهالة إبراهيم- وتقدم أن هناك علة أخرى- ثم نقل عن النووي وابن حجر قولهما: إسناده ضعيف. ثم قال: ومن ذلك تعلم أن قول الحافظ في «الفتح» ٧/ ١٩٢ بعد أن عزاه لأبي داود: «إسناده صحيح» غير صحيح. ولو قال: حديث صحيح. كما صدرنا نحن تخريج الحديث لأصاب، لأنه وإن كان ضعيفا بهذا السند، فهو صحيح باعتبار شواهده. ثم ذكر حديث عويم بن ساعدة، وعده شاهدا له، وليس كما قال. فحديث عويم وغيره كما سيأتي، ليس فيه أن لفظ «نزلت... » أصلا. وانظر ذلك مفصلا في الآتي، والله تعالى أعلم.
صحيح بشواهده. أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» ١١٣١ والطبري ١٤٢٤٠ و ١٤٢٤١ عن قتادة مرسلا.
وأخرجه الطبري ١٧٢٣٩ عن قتادة عن شهر بن حوشب به، وهو مرسل أيضا وله شواهد موصولة وهي:
١- حديث عويم بن ساعدة: أخرجه ابن خزيمة ٨٣ والحاكم ١/ ١٥٥ وأحمد ٣/ ٤٢٢ والطبري ١٧٢٤٥ والطبراني في «الصغير» ٢/ ٢٣ من طرق عن أبي أويس عن شرحبيل بن سعد عن عويم بن ساعدة، أن رسول الله ﷺ قال لأهل قباء، إني أسمع الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما هذا الطهور؟ قالوا: يا رسول الله، ما نعلم شيئا، إلا أن جيرانا لنا من اليهود رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا» رووه بألفاظ متقاربة، إسناده ضعيف، أبو أويس هو عبد الله بن عبد الله ضعفه الجمهور، وشيخه شرحبيل ضعيف أيضا.
ومع ذلك صححه الحاكم! ووافقه الذهبي! ولعل ذلك بسبب شواهده.
٢- وورد عن عروة مرسلا، أخرجه الطبري ١٧٢٥٢ وفيه ذكر عويم، لكنه مختصر. وفيه ذكر الآية.
٣- وورد من مرسل إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري، أخرجه الطبري ١٧٢٥١ بنحو اللفظ الذي ذكرته آنفا.
٤- وله شاهد من حديث ابن عباس، وفيه ذكر عويم، أخرجه الحاكم ١/ ١٨٧ والطبراني ١١٠٦٥ وإسناده ضعيف، فيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس، وصححه الحاكم على شرط مسلم! ووافقه الذهبي! ولم يرو مسلم لابن إسحاق في الأصول، إنما روى له متابعة.
٥- وله شاهد من حديث عبد الله بن سلام، أخرجه الطبراني كما في «المجمع» ١/ ٢١٢. وفيه سلام الطويل، قال الهيثمي: أجمعوا على تركه.
٦- وورد عن محمد بن عبد الله بن سلام، أخرجه أحمد ٦/ ٦ والطبري ١٤٢٤٢ و ١٤٢٤٣ وفيه شهر بن حوشب، مدلس وفيه ضعف. وقد اضطرب فيه فقد كرره الطبري ١٤٢٤٤ عنه عن محمد بن عبد الله بن سلام- قال يحيى أحد الرواة- لا أعلمه إلا عن أبيه- فهذا اضطراب، لكن يصلح شاهدا.
٧- وله شاهد من حديث أبي أمامة، أخرجه الطبراني ٧٥٥٥، وفيه شهر بن حوشب أيضا، وفيه ليث بن أبي سليم ضعفه غير واحد.
٨- وله شاهد من حديث أبي أيوب وجابر وأنس، أخرجه ابن ماجة ٣٥٥ وابن الجارود ٤٠ والدارقطني ١/ ٦٢ والحاكم ١/ ١٥٥ والبيهقي ١/ ١٠٥ ومداره على عتبة بن أبي حكيم، ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. ذكر ذلك الزيلعي رحمه في «نصب الراية» ١/ ٢١٩ وقال: سنده حسن. ولعله حسنه لشواهده. وقال الدارقطني: عنبة غير قوي. وأما الحاكم فقال: حديث كبير صحيح في الطهارة! ووافقه الذهبي! ولعله وافقه بسبب شواهده.
٩- وورد من حديث أبي أيوب من وجه آخر، أخرجه الطبراني كما في «المجمع» ١/ ٢١٣ وقال الهيثمي: فيه واصل بن عطاء، وهو ضعيف.
١٠- وله شاهد عن خزيمة بن ثابت، وليس فيه اللفظ المرفوع، أخرجه الطبراني كما في «المجمع» ١/ ٢١٣ وقال الهيثمي: فيه أبو بكر بن أبي سبرة متروك. فهذا شاهد لا يفرح به.
١١- وصح عن خزيمة من وجه آخر أخرجه الطبري ١٧٢٤٦ قال: نزلت هذه الآية فِيهِ رِجالٌ... قال:
كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط. لم يذكر أهل قباء.

صفحة رقم 300

زاد المسير في علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي

تحقيق

عبد الرزاق المهدي

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية