ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

قال تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [ التوبة : ٣٤ ].
وفيها مسألتان :
المسألة الأولى : هل تجب الزكاة في حلي المرأة ؟
المسألة الثانية : جواز لبس الذهب للمرأة.
المسألة الأولى :
[ ٤٠ ] هل في الحلي زكاة ؟
قال ابن حزم رحمه الله تعالى :
( والزكاة واجبة في حلي الفضة والذهب إذا بلغ كل واحد منهما المقدار الذي ذكرنا، وأتم عند مالكه عاما قمريا.
وجاء في ذلك عن السلف ما قد ذكرناه في الباب الذي قبل هذا عن ابن مسعود عن إيجابه الزكاة في حلي امرأته. وهو عنه في غاية الصحة(١).
وروينا من طريق محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة قال : قالت امرأة لعبد الله بن مسعود : لي حلي ؟ فقال لها : إذا بلغ مائتين ففيه الزكاة(٢).
وعن عمر بن الخطاب أنه كتاب إلى أبي موسى : مر نساء المسلمين يزكين حليهن(٣).
ومن طريق جرير بن حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه قال : كان عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر بالزكاة في حلي بناته ونسائه(٤).
ومن طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه كان يأمره بذلك كل عام(٥).
وعن عمرو بن شعيب، عن عروة، عن عائشة أم المؤمنين قالت : لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته(٦)...
وقال بعد أن أورد جملة من الأحاديث التي يرى ضعفها، وهي دالة على الزكاة في الحلي. قال :
( قال أبو محمد : لو لم يكن إلا هذه الآثار لما قلنا بوجوب الزكاة في الحلي ؛ ولكن لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " في الرقة ربع العشر " ( وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم ) وكان الحلي ورقا وجب فيه حق الزكاة، لعموم هذين الأثرين الصحيحين.
وأما الذهب فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من صاحب ذهب لا يؤدي ما فيها إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها " (٧).
فوجب الزكاة في كل ذهب بهذا النص(٨).
المسألة الثانية :
[ ٤١ ] جواز لبس الذهب للمرأة.
يرى ابن حزم رحمه الله تعالى أن :( لباس المرأة الحرير والذهب في الصلاة وغيرها : حلال )(٩). قال :
والحاكم على كل ذلك، هو : ما رويناه من طريق أحمد بن شعيب، أنا عمرو بن علي، نا يحيى – هو ابن سعيد القطان – ويزيد – هو ابن زريع – ومعتمر – هو ابن سليمان التيمي – وبشر بن المفضل قالوا كلهم : نا عبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله أحل للإناث أمتي الحرير والذهب، وحرمه على ذكورها " (١٠).
ومن طريق أبي داود(١١) نا أحمد بن حنبل، نا يعقوب هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف – نا أبي عن ابن إسحاق قال : إن نافعا مولى ابن عمر حدثني، عن عبد الله بن عمر قال : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس، أو الزعفران من الثياب )(١٢). ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من معصفر، أو حذاء، أو حلي، أو سراويل، أو قميص، أو خف. فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها جميع الحلي، ولو كان الذهب حراما عليهن لبينة عليه الصلاة والسلام بلا شك، فإذ لم ينص على منعه، فهذا حلال لهن. وبالله تعالى التوفيق )(١٣).

١ لفظ هذا الأثر هو :
عن إبراهيم النخعي، قال: كان لامرأة عبد الله بن مسعود طوق فيه عشرون مثقالا، فأمرها أن تخرج عنه خمسة دراهم.
أخرجه أبو عبيد في (الأموال) ص ٤٤٥، وعبد الرزاق في (مصنفه) (٤/٨٣)، والبيهقي (٤/١٣٩) من طريق: سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم عن علقمة، قال: قالت امرأة لعبد الله بن مسعود لي حلي، فذكره.
وهذا إسناد حسن من أجل حماد، فإنه صدوق له أوهام.
وله طريق آخر عند أبي عبيد. فقد رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، كما رواه عبد الرزاق أيضا من طريق: حماد، عن إبراهيم، عن ابن مسعود.
وهذا إسناد حسن أيضا..

٢ أخرجه عبد الرزاق (٤/٨٣) والبيهقي (٤/١٣٩) من طريق الثوري به..
٣ أخرجه ابن أبي شيبة (٢/٣٨٢)، ومن طريقه البيهقي (٤/١٣٩) من طريق: مساور الوراق عن شعيب، قال: كتب عمر إلى أبي موسى... الخ ولكن هذا الإسناد معل بالإرسال، فشعيب لم يدرك عمر. وقال البخاري: عنه: مرسل، كما نقله البيهقي..
٤ أخرجه عبد الرزاق (٤/٨٤)، وابن أبي شيبة (٢/٣٨٢) من طريق جرير بن حازم (كما عند ابن أبي شيبة)، وأبو موسى (كما عند عبد الرزاق) عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو (فذكره). وهذا إسناد منقطع، لكن هذا لا يعد ههنا علة، وذلك لأن هذا من الأمور التي لا تخفى ومثله يشتهر عن جده، فلا شك أنه كان معروفا عند عمرو عن جده، حدثه به غير واحد من أهل بيته، هذا مما لا يشك فيه. والعلم عند الله..
٥ ابن عمر رضي الله عنهما روى عنه القولان في المسألة: أما وجوب الزكاة، فقد رواه أبو عبيد في (الأموال) ص ٤٥٥ من طريق: حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سالم قال: كان عبد الله بن عمر يأمرني أن أجمع حلي بناته كل عام، فأخرج زكاته.
قال أبو عبيد: أراه مولاه يعني سالما مولى عبد الله بن عمر.
ولقد ذكر الإمام البيهقي هذا الأثر عن عبد الله بن عمرو، ولعله أشبه، فقال: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه كان يكتب إلى خازنه سالم أن يخرج زكاته حلى بناته كل سنة.
وقد اشتهر عن عبد الله ابن عمر القول بعدم وجوب زكاة الحلي، وذلك فيما رواه الإمام مالك في (الموطأ)(١/٢٥٠)، وابن أبي شيبة في (٢/٣٨٣)، عبد الرزاق (٤/٨٢) والبيهقي في سننه (٤/١٣٨)، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة.
وإسناد هذا الأثر صحيح..

٦ روي عن عائشة القولان: فأما وجوب الزكاة: فقد أخرجه البيهقي في سننه (٤/١٣٩)، وأبو عبيد في (الأموال) ص ٤٤٥. من طريق:
حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن عروة عن عائشة قالت: (لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته).
وهذا إسناد حسن، ورجاله ثقات محتج بهم، وعمرو بن شعيب صدوق. وقد روى عنها بإسناد صحيح خلاف هذا ولا يعد هذا مضعفا لما روى أولا، ذلك لأنه من الممكن جدا أن يكون للعالم رأيان.
فقد روى مالك في (الموطأ) (١/٢٥٠)، ومن طريقه البيهقي (٤/١٣٨) أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة.
وهذا إسناد صحيح. ولا يقال: إنها لا ترى الزكاة في مال اليتيم، فلذلك لم تخرج الزكاة من الحلي، أقول لا يقال لهذا: لأن مذهبها كما سبق أنها ترى وجوب الزكاة في مال اليتيم.
ولذلك روى ابن أبي شيبة (٢/٣٨٣) عن القاسم قال: كان مالنا عند عائشة، فكانت تزكيه إلا الحلي. لكن قد يقال: إن هذا الحلي كان يسيرا، لم يبلغ النصاب فلذلك لم تزكه عائشة – رضي الله عنها – ويؤيد هذا أمران:
أولهما: أنه جاء التصريح بذلك، كما عند عبد الرزاق (٤/٨٣) عن الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أن عائشة كانت تحلي بنات اخيها بالذهب واللؤلؤ فلا تزكيه، وكان حليهم يومئذ يسيرا.
وثانيا: أن هذا موافق لرأيها ولروايتها. والتوفيق بين أقوال العالم إذا أمكن أمر مطلوب.
وأخرج (عبد الرزاق) (٤/٨٣) أن عمرة بنت عبد الرحمن سألت عائشة عن حلي لها، هل عليها زكاة؟ قالت: لا. فهذه واقعة عين لا عموم لها. فقد يحتمل أن يكون حليها لم يبلغ نصاب الزكاة الواجبة..

٧ سبق تخريج هذه الأحاديث..
٨ (المحلى)(٤/١٨٤-١٩١)..
٩ (المحلى) (٩/٢٠٤). وقد ذكرت هذه المسألة ضمن مسائل قول تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة لكون ابن حزم رد حجة القائلين بتحريم لبس الذهب بهذه الآية، وستأتي الحجة وذكر كلام ابن حزم عليها..
١٠ رجال الإسناد:
عمرو بن علي بن بحر بن كنيز بنون وزاي، أبو حفص الفلاس الصيرفي، الباهلي، البصري، ثقة، حافظ من العاشرة مات سنة تسع وأربعين. (التقريب) [٥١١٦].
معتمر بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري، يلقب بالطفيل، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقد جاوز الثمانين. (التقريب) [٦٨٣٣].
بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي، بقاف ومعجمة، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت عابد، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومائة. (التقريب) [٧١٠].
سعيد بن أبي هند الفزاري مولاهم، ثقة، من الثالثة، أرسل عن أبي موسى، مات سنة ست عشرة ومائة، وقيل بعدها. (التقريب) [٢٤٢٢].
تخريجه:
أخرجه أحمد (٤/٣٩٤)، والترمذي (١٧٢٠) في اللباس: باب ما جاء في الحرير والذهب للرجال، والنسائي (٥١٥١) في الزينة: باب تحريم الذهب على الرجال، والطحاوي في (مشكل الآثار) (٦/٢٤٦ – ٢٤٧ – تحفة الأخبار)، وفي (شرح معاني الآثار) (٤/٢٥١) والبيهقي (٤/١٤١).
من طريق عبيد الله، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى.
وهذا إسناد صحيح لكنه منقطع، فسعيد بن أبي هند لم يلق أبا موسى رضي الله عنه. قاله أبو حاتم كما في المراسيل لابنه ص ٧٥، وقاله الحافظ كما سبق في ترجمته.
لكن للحديث شواهد يصح بها.
قال الإمام الترمذي:
(وفي الباب عن عمر وعلي، وعقبة بن عامر وأنس وأم هانئ وحذيفة وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين، وعبد الله بن الزبير، وجابر، وأبي ريحانة، وابن عمر، والبراء، وواثلة بن الأسقع).
وهذا حديث حسن صحيح أ هـ. قال ابن حزم: وهو أثر صحيح؛ لأن سعيد بن أبي هند ثقة مشهور.
وانظر: نصب الراية (٤/٢٢٢-٢٢٥)..

١١ انظره في سننه برقم (١٨٢٥) في كتاب المناسك: باب ما يلبس المحرم..
١٢ أخرجه البخاري (١٨٣٨) في كتاب الحج: باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، ومسلم (١١٧٧) في كتاب الحج: باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وبيان تحريم الطيب عليه..
١٣ (المحلى) (٩/٢٤٥)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير