ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

وبعد أن بيَّن الله سبحانه وتعالى أن الأحبار والرهبان لا يؤمنون بالله الإيمان الصحيح، ولا باليوم الآخر بالشكل السليم، ويحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويتخذهم أتباعهم أربابا من دون الله. هنا يقول الحق سبحانه وتعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣٤ ) :
وبعد أن شرح لنا المولى سبحانه ما يدور في ذواتهم، وانحرافهم عن منهج الله تعالى، والغرق في حب الدنيا وحب الشهوات، وهم قد اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وحرَّفوا تعاليم السماء حتى يأكلوا أموال الناس بالباطل، ولكن هل الأموال تؤكل ؟ طبعا لا، بل نشتري بالمال الطعام الذي نأكله، فلماذا استخدم الحق سبحانه وتعالى عبارة لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ ؟ أراد الحق سبحانه وتعالى بذلك أن يلفتنا إلى أنهم لا يأخذون المال على قدر حاجتهم من الطعام والشراب، ولكنهم يأخذون أكثر من حاجتهم ليكنزوه(١).
ولذلك يأتي قوله تعالى في ذات الآية أنهم يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . هم إذن أكلوا أموال الناس بالباطل، مصداقا لقوله سبحانه لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ومعنى ذلك أنَّ هناك أكْلا من أموال الناس بالحق في عمليات تبادل المنافع، فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة، ويذهب التاجر ليشتري بها بضاعة وهكذا، وقانون الاحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون على تعاليم الدين، ولا يأكلون أموال الناس بالباطل، وهذا ظاهر في قول الحق سبحانه وتعالى : إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ولم يقل جل جلاله : كل الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، بل قال إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ؛ لأنه قد يوجد عدد محدود من الأحبار والرهبان ملتزمون، والله لا يظلم أحدا ؛ لذلك جاء بالاحتمال. فلو أن الله سبحانه وتعالى عمَّم ووُجد منهم من هو ملتزم بالدين. فمعنى ذلك أن يكون القرآن الكريم لم يُغطِّ كل الاحتمالات، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى في قرآنه يصون الاحتمالات كلها.
إذن : فاستيلاء بعض من هؤلاء الأحبار والرهبان على أموال الناس لا يكون بالحق، أي لا يحصلون فقط على ما يكفيهم، بل بالباطل أي بأكثر مما يحتاجون. وهم يأخذون المال ليصدوا به عن سبيل الله، وهم في سبيل الحصول على الأموال الدنيوية ؛ يُغيِّرون منهج الله بما يتفق مع شهوتهم للمال، وما يحقق لهم كثرة الأموال التي يحصلون عليها، ولهذا تأتي العقوبة في ذات الآية فيقول المولى سبحانه وتعالى :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
والكنز مأخوذ من الامتلاء والتجمع، ولذلك يقال : " الشاة مكتنزة "، أي مليئة باللحم وتجمَّعَ فيها لحم كثير.
إذن : فيكنزون أي يجمعون، وقول الحق سبحانه وتعالى يَكنزون الذهب والفضة ؛ وهذان المعدنان هما أساس الاقتصاد الدنيوي، فقد بدأ التعامل الاقتصادي بالتبادل، أي سلعة مقابل سلعة، وهي ما يسمى عمليات المقايضة، وعندما ارتقى التعامل الاقتصادي اخترعت العملة التي صارت أساسا للتعامل بين الناس والدول. والعملة من بدايتها حتى الآن ترتكز على الذهب والفضة. وحتى عندما وجدت العملة الورقية، كان لابد أن يكون لها غطاء من الذهب لكي تصبح لها قيمة اقتصادية ؛ لأنَّ العملة الورقية لا يكون لها قيمة إلا بما يغطيها من الذهب والفضة.
ومن إعجاز القرآن الكريم أن الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن الذهب والفضة وهما معدنان، يجعلهما الأساس في النقد والتجارة، ولقد وجدت معادن أخرى أغلى من الذهب وأغلى من الفضة كالماس مثلا. لكن لا يزال الأساس النقدي في العالم هو الذهب والفضة. وعلى مقدار رصيد الذهب الذي يغطي العملة الورقية ترتفع قيمة عملة أي بلد أو تنخفض.. فمثلا في مصر في عهد الاحتلال البريطاني كان النقد المتداول ثمانية ملايين جنيه، ورصيدنا من الذهب عشرة ملايين جنيه فيكون الفائض من الذهب مليوني جنيه، وبذلك كانت قيمة الجنيه المصري تساوي جنيها من الذهب مضافا إليه قرشان ونصف القرش. والذي يهبط بالنقد إلى الحضيض أن يكون رصيد الذهب قليلا وكمية النقد المتداولة كثيرة، وهكذا يبقى الذهب هو الحجة والأساس في الاقتصاد العالمي.
إذن : فالحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أراد أن يلفتنا إلى أن الذهب والفضة هما أساس التعامل في تسيير حركة العالم الاقتصادية، وأن هذا التعامل يقتضي الحركة الدائمة للمال، لأن وظيفة المال هي الانتفاع به في عمارة الأرض، ولو أنك لم تحرك مالك وكنت مؤمنا، فإنه ينقص كل عام بنسبة ٢، ٥% وهي قيمة الزكاة. ولذلك يفنى هذا المال في أربعين سنة. فإن أراد المؤمن أن يُبقي على ماله ؛ فيجب أن يديره في حركة الحياة ليستثمره وينميه ولا يكنزه حتى لا تأكله الزكاة ؛ وهي نسبة قليلة تُدفع من المال. ولكن إذا أدار صاحب المال ما يملكه في حركة الحياة ؛ فسينتفع به الناس وإن لم يقصد أن ينفعهم به ؛ لأن الذي يستثمر أمواله مثلا في بناء عمارة ليس في باله إلا ما سيحققه من ربح لذاته، ولكن الناس ينتفعون بهذا المال ولو لم يقصد هو نفعهم ؛ فمن وضع الأساس يأخذ أجرا، ومن جاء بالطوب يأخذ قدر ثمنه، ومن أحضر أسمنتا أخذ، ومن جاء بالحديد أخذ، والمعامل التي صنعت مواد البناء أخذت، وأخذ العمال أجورهم ؛ في مصانع الأدوات الصحية وأسلاك الكهرباء وغيرها، والذين قاموا بتركيب هذه الأشياء أخذوا، إذن : فقد انتفع عدد كبير في المجتمع من صاحب العمارة، وإن لم يقصد هو أن ينفعهم. ولذلك فإن الذي يبني العمارة يقدم للمجتمع خدمة اقتصادية ينتفع بها عدد من الناس، وكذلك من يقيم مشروعا استثماريا.
إذن : سبحانه وتعالى لا يريد من المال أن يكون راكدا، ولكنه يريده متحركا ولو كان في أيدي الكافرين ؛ لأنه إذا تحرك أفاد الناس جميعا فيحدث بيع وشراء وإنتاج للسلع وإنشاء للمصانع، وتشغيل للأيدي العاملة إلى غير ذلك، ولكن إن كنز كل واحد منا ماله فلم يستثمره في حركة الحياة، فالسلع لن تستهلك، والمصانع ستتوقف، ويتعطل الناس عن العمل.
وكما يحث الإسلام على استثمار المال، يطالبنا أيضا بألا يذهب المال إلى الناس بغير عمل ؛ حتى لا يعتادوا على الكسب مع الكسل وعدم العمل.
ولذلك قيل : إذا كثر المال ولم تكن هناك حاجة إلى مشروعات جديدة، فلا تترك الناس عاطلين ؛ بل عليك أن تأمرهم ولو بحفر بئر ثم تأمرهم بطمّها أي ردمها، في هذه الحالة سيأخذ العمال أجر الحفر والردم، فلا تنتشر البطالة ويتعود الناس أن يأكلوا بدون عمل ؛ لأن هذا أقصر طريق لفساد المجتمع.
إذن : فالحق سبحانه وتعالى يريد من المال أن يتحرك ولا يكنز ؛ ولذلك قال المولى سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ لأنهم بكنزهم المال إنما يُوقفون حركة الحياة التي أرادها الله تعالى لكونه. وأنت ترى العالم الآن يعيش في غائلة البطالة ؛ لأن المال لا يتحرك لعمارة الكون، بل هناك من يكتنزون فقط.
ولقائل أن يقول : ولكن الناس الآن يتعاملون بالنقد الورقي، بينما ذكر الله سبحانه وتعالى الذهب والفضة ؛ نقول : إن العملة الورقية ليست نقدا بذاتها، ولكنها استخدمت لتعفي الناس من حمل كميات كبيرة وثقيلة من الذهب والفضة، قد لا يقدرون على حملها، إذن فهي عملية للتسهيل، وهي منسوبة إلى قيمتها ذهبا، إذن : فالذين يكنزون العملة الورقية ولا ينفقونها فيما يعمر بها الكون وتتم عمارته تنطبق عليهم الآية الكريمة(٢).
ولكن الكنز في هذه الآية لا يأتي فقط بمعنى الجمع، ولكنه أيضا بمعنى أنهم لا يؤدون حق الله فيها. ولذلك فإن المال الذي أخرجت زكاته لا يُعدّ كنزا، لأنه يتناقص بالزكاة عاما بعد آخر ؛ أما المال المكنوز فهو المال الذي لا تُؤدّى زكاته.
والذي يملك مالا مهما كانت قيمته ويؤدي حق الله فيه لا يعتبر كانزا للمال.
بل الكنز في هذه الحالة ما لم يؤد فيه حق الله(٣).
وإذا عُدنا إلى نص الآية الكريمة : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا نتساءل : لماذا لم يقل الله : ولا ينفقونهما مع أنهما معدنان ؟ ونقول : إن الحق سبحانه وتعالى استخدم أسلوب الجمع ؛ لأن الذهب يطلق إطلاقات كثيرة، فهناك من يملك ألف دينار من الذهب، وغيره يملك مائة دينار من الذهب، وثالث ليس لديه إلاّ دينار ذهبيّ واحد وكذلك الفضة، ومادام الجمع هنا موجود فلابد أن تستخدم يُنْفِقُونَهَا .
ولم تقل الآية الكريمة : والذي يكنز ولكنها قالت : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ ، إذن : فالمخاطبون متعددون، فهذا عنده ذهب، وهذا عنده ذهب، وثالث عنده فضة، إذن فلابد من استخدام صيغة الجمع. ويلفتنا القرآن الكريم إلى هذه القضية في قوله تعالى : وإنْ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ( الحجرات : ٩ ).
ولم يقل " اقتتلا " لأن الطائفة اسم الجماعة مكونة من أفراد كثيرين، فإذا جاء القتال لا تقوم طائفة وتمسك سيفا وتقاتل الثانية، وإنما كل فرد من الطائفة الأولى يقاتل كل فرد من الطائفة الثانية، إذن فهما طائفتان ساعة السلام، ولكن ساعة الحرب يتقاتل كل أفراد الطائفة الأولى مع كل أفراد الطائفة الثانية. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى : اقْتَتَلوا ، ولم يقل " اقتتلا ". أما في حالة الصلح فقد قال سبحانه وتعالى : فأصلحوا بينهما ( الحجرات : ٩ ) واستخدم هنا " المثنى " لأننا ساعة نصلح بين طائفتين، لا نأتي بكل فرد من الطائفة الأولى ونصلحه على كل فرد من الطائفة الثانية، ولكن نأتي بزعيم الطائفة الأولى ونصالحه على زعيم الطائفة الثانية فيتم الصلح. ولذلك هنا تجب التثنية.
وكذلك في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لم يقل ولا ينفقونهما، ولكن قال سبحانه وتعالى : وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ والإنفاق في سبيل الله يشمل مجالات متعددة، ففي سبيل الله تحدث حركة في المجتمع يستفيد منها الناس، فحين تُخرج الزكاة يستفيد منها الناس، وحين تُجهّز بها جيوش المسلمين يستفيد منها الناس، ونظرية عدم كنز المال ربما ظهرت حديثا في الاقتصاد العالمي ولكنها موجودة منذ نزول القرآن الكريم.
فأنت إذا أنفقت ولم تكنز حدث رواج في السوق. والرواج معناه إيجاد العمل ووسائل الرزق. وإيجاد الحافز الذي يؤدي إلى ارتق

١ قال القرطبي في تفسير الآية (٤/٣٠٤٩): "كانوا يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك، مما يوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله تعالى. وهم خلال ذلك يحجبون تلك الأموال، كالذي ذكره سلمان الفارسي عن الراهب الذي استخرج كنزه" والتزلُّف هو: التقرب..
٢ قال القرطبي في تفسيره (٤/٣٠٤٩): "الكنز أصله في اللغة الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة. ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء: المرأة الصالحة" أي يضمه لنفسه ويجمعه. وخص الذهب والفضة بالذكر لأنه مما لا يطلع عليه بخلاف سائر الأموال. قال الطبري: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها". والحديث الذي ذكره القرطبي هنا أخرجه أبو داود في سننه (١٦٦٤) والحاكم في مستدركه (١/٤٠٩) (٢/٣٣٣) وصححه وأقره الذهبي في الموضع الأول..
٣ قال ابن عمر: ما أُدِّي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبعين أرضين، وكل ما لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. ذكره القرطبي في تفسيره. وقال: "ومثله عن جابر، وهو الصحيح".

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير