ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ ( ١ ) عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ( ٢٩ ) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ ( ٢ ) قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( ٣٠ ) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ٣١ ) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( ٣٢ ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( ٣٣ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣٤ ) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ( ٣٥ ) ( ٢٩ – ٣٥ ).

تعليق على الآية :

قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ........................
والآيات الخمس التي بعدها وما ورد في صددها من أحاديث وأقوال
وما ترتب عليها من أحكام وتلقينات وبخاصة في صدد الجزية
وتمحيص ما روي في صدد قتال الكتابيين ومن ملة الذميين منهم
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت أمرا للمسلمين بقتال الموصوفين فيها بأوصاف معينة من أهل الكتاب حتى يخضعوا لهم ويعطوهم الجزية مقهورين صاغرين. واستطرادات تعليلية لهذا الأمر. والآيات الست منسجمة مترابطة. وهذا ما جعلنا نوردها جملة واحدة برغم ما احتوته من أحكام متنوعة وكثيرة.
ولقد روى البغوي عن الكلبي أن الآية الأولى نزلت في بني قريظة وبني النضير من اليهود فصالحهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين. ويقتضي هذا أن تكون الآية نزلت في السنة الثالثة أو في السنة الخامسة اللتين أجلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهما يهود بني النضير ونكل ببني قريظة على ما شرحناه في سورتي الحشر والأحزاب. في حين أن سياق الآيات وما بعدها يلهم بقوة أنها نزلت بعد الفتح المكي وبين يدي غزوة تبوك. وهناك مأخذ آخر على رواية الكلبي وهو قوله : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صالحهم على الجزية في حين أنه لم يكن صلح ولا جزية بل كان إجلاء للأولين وتنكيلا حاسما بالآخرين على ما شرحناه في السورتين المذكورتين آنفا.
ولقد عقب الطبري على الآية السابقة لهذه الآيات فقال : إن لمسلمين لما قالوا : من أين نأكل ومع من نتجر ولسوف نغدو فقراء بسبب منع المشركين عن دخول الحرم أنزل الله الآية ( ٢٩ ) وأمرهم بغزوة تبوك ليأخذوا الجزية بدلا عما ضاع عليهم، ثم قال في سياق تفسير هذه الآية : إن الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحرب الروم فغزا غزوة تبوك بعد نزلها. وعزا أقواله إلى بعض أهل التأويل من التابعين مثل الضحاك وقتادة والسدي ومجاهد.
وهذه الأقوال تقتضي أن يكون الله عز وجل قد جعل الجزية التي قد تأتي من حرب الروم مقابل ما خسره المسلمون من منع المشركين من الاقتراب من المسجد الحرام، وأن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن قد حارب الروم، ثم أن لا يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخذ الجزية من أهل الكتاب قبل هذه الآية. ويرد على هذا ملاحظات عديدة. فأولا : أنه لم يقع حرب في غزوة تبوك وأخذت الجزية نتيجة لها. والعهود التي عقدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أهل هذه الأنحاء على ما سوف نشرحه بعد عهود مسالمة وموادعة. وما تعهدوا بأدائه لم يكن مقدارا مهما يسد ثغرة واسعة في حياة المسلمين الاقتصادية. وهو عائد إلى بيت المال الذي كان ينفق منه على مصالح المسلمين العامة والمحتاجين منهم وحسب، في حين أن التخوف المذكور في الآية السابقة ( ٢٨ ) هو تعبير عن لسان أهل مكة الذين كانت مواسم الحج وسيلة لتكسبهم وقضاء مصالحهم المعاشية. فضلا عن أن هؤلاء كانوا أقلية بين المسلمين والجزية ليست عائدة إليهم. وثانيا : أن هذه الأقوال تعني أن الله جعل الجزية هدفا للمسلمين من القتال، في حين أن القرآن قرر في أكثر من موضع أن الغنائم ليست هدفا للقتال، ولا يجوز أن تكون هدفا على ما مر شرحه في مناسبات عديدة سابقة وبخاصة في سياق تفسير الآية ( ٩٤ ) من سورة النساء دون أن يكون ذلك نتيجة لقتال. وثالثا : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صالح نصارى نجران على جزية سنوية معينة على ما شرحناه في سياق تفسير الآيات :( ٣٣ – ٦٤ ) من سورة آل عمران. وأن روايات السيرة ذكرت أنه أرسل سرية في السنة السادسة إلى دومة الجندل في أنحاء تبوك لتأديب قبائلها النصرانية ودعوتها إلى الإسلام فأسلم من أسلم وتعهد من أقام على دينه بالجزية ( ١ )(٢). ولقد سبق غزوة تبوك حركات حربية عديدة في أنحائها للمقابلة والدفاع على ما ذكرته روايات السيرة. فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسلا يحملون كتبه إلى ملوك وأمراء تخوم الجزيرة العربية في السنة السادسة للهجرة فقتل والي مؤتة من قبل الروم والغسانيين رسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملك بصرى وهو الحارث الأزدي ( ٢ )(٣). وقتل الروم والي معان من قبلهم واسمه فروة الجذامي بسبب إسلامه ( ٣ )(٤)، وشلح جماعة من نصارى جذام النازلين في أنحاء تبوك دحية الكلبي رسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قيصر ( ٤ )(٥). وكانت قبائل كلب وجذام وقضاعة النصرانية تعتدي على قوافل المسلمين وتتجمع من حين لآخر لغزو المدينة ( ٥ )(٦). فكان هذا مما جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحرك للمقابلة قبل نزول هذه الآيات بأربع سنين ؛ حيث قاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أول السنة الهجرية الخامسة حملة نحو دومة الجندل على بعد ١٥ أو ١٦ ليلة من المدينة وعاد منها دون الاشتباك ؛ لأن قبائلها فرت وتفرقت ) ( ١ )(٧). ثم سير حملة بقيادة زيد بن حارثة إلى حسمي وراء وادي القرى لتأديب الجذاميين الذين شلحوا دحية فقتل وغنم وسبى منهم ( ٢ )(٨). ثم سير حملة بقيادة عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل ثانية، فأسلم من أسلم وضرب على من لم يسلم الجزية ( ٣ )(٩). ثم سير جيشا قويا في السنة الثامنة وقبل فتح مكة إلى مؤتة بقيادة زيد بن حارثة للثأر من واليها الذي قتل رسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بلغ الجيش مؤتة في ناحية البلقاء، واشتبك مع الروم والقبائل النصرانية ودارت الدائرة عليه واستشهد ثلاثة قواد كانوا يتسلمون القيادة واحدا بعد آخر وهم زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة رضي الله عنهم. ثم تمكن من الانسحاب بقيادة خالد بن الوليد ( ٤ )(١٠). ثم سير حملة بقيادة عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل لأن قضاعة كانت تتجمع للزحف على المدينة فدوخ الناحية وهرب أهلها ( ٥ )(١١). حيث يبدو من هذه السلسلة التي يصح أن يضاف إليها وقائع إجلاء وحرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين مع يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر ووادي القرى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين حاربوا أهل الكتاب وأخذوا منهم الجزية قبل نزول هذه الآيات التي نحن في صددها، وأن الأقوال التي يوردها الطبري غير متسقة مع الوقائع من جهة، وأن هذه الوقائع متسقة في أسبابها وظروفها مع المبادئ القرآنية التي تقرر أن الجهاد إنما شرع للدفاع ومقابلة العدوان بالمثل ولم تكن الجزية والغنائم من أهدافه من جهة أخرى.
ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد استنفر المسلمين بعد نزول هذه الآيات إلى غزوة تبوك وزحف على رأس حشد عظيم نحوها وبلغها على ما تذكره جميع مصادر التاريخ والتفسير القديم وتلهمه آيات السورة. ولما كان معظم منطقة تبوك وما وراءها من مشارف الشام إلى تخوم البلقاء وما بعدها من النصارى أهل الكتاب وكانوا تحت سلطان الروم من أهل الكتاب أيضا، فإنه يسوغ القول بكل قوة والحالة هذه أن الآيات إنما نزلت بين يدي هذه الغزوة على سبيل الحث والتبرير والتعليل وحسب. والروايات تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما استنفر إليها لما بلغه من أن الروم قد حشدوا حشودا كثيرة بقصد الزحف على المدينة وانضوى إليها قبائل لخم وجذام وعامة النصرانية وأرسلوا طلائعهم إلى مشارف الشام ( ١ )(١٢). فضلا عن الأسباب السابقة وما استدعته من حركات عديدة حيث يتسق هذا مع أسباب الحركات الأولى ومع التقريرات القرآنية لأسباب ومبررات الجهاد الإسلامي وأهدافه. وقد ذكرت الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عاد من تبوك فكر في تسيير جيش جديد إلى مؤتة للثأر لجيش زيد بن حارثة الذي سار للثأر من والي مؤتة لقتله رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعين لقيادته أسامة بن زيد حيث يدل هذا على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظل يعتبر حالة الحرب قائمة بينه وبين الروم ونصارى العرب في مشارف الشام. ولقد مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يسير هذا الجيش فسيره خليفته الأول أبو بكر، ثم لم يكد هذا الخليفة أن يقمع الحركات المهمة من حركات فتنة الردة حتى التفت نحو الشام، فسير الجيوش العديدة استمرارا وتنفيذا لاختيار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبهذا يظهر بكل وضوح أن حركة الفتوح الشامية إنما كانت استمرارا لحالة الحرب التي قامت بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وبين الروم وأعوانهم والتي كانت أسبابها ودواعيها متسقة مع التقريرات القرآنية ولم تكن بدءا هجوميا بقصد الفتح والغنائم.
ويلحظ أن الآيات قد جمعت أهل الكتاب وأهل الكتاب ليسوا النصارى فقط، والتعبير يشمل اليهود أيضا بل وغيرهم على ما شرحناه في سياق سورة غافر والشورى والمدثر. ولا نرى في هذا نقضا لما قلناه. وإذا لاحظنا أن اليهود قد أجلوا عن المدينة نهائيا وخضدت شوكتهم في خيبر والقرى الأخرى في طريق الشام في السنة الهجرية السادسة، فلم يعد في الحجاز وطريق الشام يهود يصح أن يقاتلوا ولم يكن لهم دولة أو كتلة أخرى إذ ذاك يصح أن تقاتل فإنه يسوغ أن يقال حينئذ : إن الأمر القرآني من حيث الواقع الموضوعي إنما كان للحث والتحريض على النفرة إلى غزوة تبوك لقتال الروم وقبائل النصارى. وإن استعمال تعبير : أهل الكتاب في الآية ا
تعليق خاص على الآية :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ والآية التالية لها
وما ورد في صدد كنز الفضة والذهب وأداء الزكاة من أحاديث
وأقوال، وما انطوى في ذلك من صور وتلقين، وتمحيص ما روي من تأخر فرض الزكاة، واستطراد إلى حركة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه
وأسلوب الفقرة الثانية من الآية الأولى أي : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ عام كما هو ظاهر. غير أن وصف الرهبان والأحبار بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله في الفقرة الأولى من الآية يكون قرينة على أن الفقرة الثانية تعنيهم بالدرجة الأولى. فأكلهم أموال الناس بالباطل كان يؤدي إلى اكتنازهم الذهب والفضة. وصدهم عن سبيل الله كان لاستبقاء الوسيلة إلى الاكتناز في يدهم وبذلك تكون الآية محكمة التنديد والإلزام ويكون الإنذار الرهيب المذكور فيها وفي الآية التالية لها موجها إليهم بالدرجة الأولى.
على أن أسلوبها العام يسوغ القول أنها احتوت في الوقت نفسه توجيها وإنذارا عامين على سبيل الاستطراد إلى كل من يكتنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله. ولقد روى الطبري عن ابن عباس أن المقصود في الآية هم أهل الكتاب، ولكنها في الوقت نفسه عامة وخاصة أي فيهم وفي المسلمين معا. وهذا متطابق مع ما قررناه آنفا.
ولقد روى المفسرون ( ١ )(١)، أحاديث عديدة نبوية وصحابية في صدد ومعنى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ وفي إباحة اكتناز المال وذمه فقد روى أبو داود والحاكم ومالك عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز وفي رواية ما أدي زكاته فليس بكنز ) ( ٢ )(٢). وقد أخرج الترمذي والحاكم حديثا آخر عن أبي هريرة مرفوعا جاء فيه :( إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك ) ( ٣ )(٣). وروي عن ابن عمر أن الكنز هو كل مال لا تؤدى زكاته ولو كان غير مدفون وإن قل، وأن كل مال تؤدى زكاته ليس كنزا ولو كان مدفونا وإن كثر. وروي مثل هذا عن ابن عباس. وروي عن ابن عمر كذلك قوله : لا أبالي لو أن لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله فيه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث جاء فيه :( نعم المال الصالح للعبد الصالح ). وحديث آخر أنه لما نزلت الآية كبر ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا : ما يستطيع أحد منا أن يدع لولده شيئا فذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له : إن هذه الآية قد كبرت على أصحابك يا رسول الله فقال صلى الله عليه وآله وسلم :( إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم، فكبر عمر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته. وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته ).
فهذه الأحاديث تفيد كما هو واضح أنه لا حرج من حيازة المال ولو كثر إذا أديت زكاته وأن الإنذار هو للذين لا يؤدون زكاة أموالهم. وأن معنى : وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يؤدون الزكاة عنها التي جعلت للإنفاق في سبيل الله. ولقد روى المفسرون ( ١ )(٤)، في سياق تفسير الآية أحاديث نبوية رهيبة الإنذار للذين لا يؤدون زكاة أموالهم. منها حديث رواه أبو هريرة جاء فيه :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بلهزميه – أي شدقيه – ثم يقول : أنا مالك، أنا كنزك ) ( ٢ )(٥). ومنها حديث آخر عن أبي هريرة أيضا جاء فيه :( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره، كل ما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل : يا رسول الله فالإبل ؟ قال : ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل : يا رسول الله فالبقر والغنم ؟ قال : ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كل ما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ) ( ١ )(٦). حيث يبدو من هذه الأحاديث الاهتمام العظيم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوليه لإيتاء الزكاة اتساقا مع القرآن الذي يوليها مثل ذلك بكثرة ترديدها والتوكيد على إيتائها والتنويه بفاعليها واعتبارها دليلا لا بد منه على صدق إيمان المسلم. ولا غرو فهي دعامة التضامن الاجتماعي والسلطان الإسلامي في آن واحد على ما شرحناه في المناسبات العديدة السابقة.
وإلى جانب الأحاديث الواردة في معنى الكنز وإباحة الاكتناز إذا أديت زكاته روى المفسرون أحاديث فيها تحديد للحد الأعلى الذي يكون ما فوقه كنز يحق على صاحبه الإنذار وفيها ذم لاكتناز المال والذهب والفضة إطلاقا. فقد روي عن علي بن أبي طالب قوله : إن الكنز ما زاد على أربعة آلاف درهم سواء أديت زكاته أم لم تؤد، وما دون ذلك نفقة لا حرج في حيازته. وأورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب جاء فيه :( لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( تبا للذهب، تبا للفضة ثلاث مرات. فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : فأي مال نتخذ ؟ فقال عمر : أنا أعلم لكم ذلك، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم. قالوا : أي المال نتخذ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة تعين أحدكم على دينه ) ( ٢ )(٧).
والحديث قد يفيد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهموا أن المذموم هو نوع المال أي عين الذهب والفضة لا جنس المال، فكان جواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منبها إلى أن المذموم هو الجنس على ما هو المتبادر. وفي الحديث الطويل الذي أوردناه آنفا صراحة أكثر ؛ لأنه شمل الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم. وقد روى الطبري هذا الحديث بطرق عديدة وصيغ متقاربة. وروى معه عن ثوبان حديثا جاء فيه :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يتبعه فيقول : ويلك ما أنت ؟ فيقول : أنا كنزك الذي تركته بعدك ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعها سائر جسده ) ( ١ )(٨). وروي عن أبي سعيد حديث جاء فيه :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا. قال : يا رسول الله كيف لي بذلك ؟ قال : ما سئلت لا تمنع ما رزقت لا تخبأ. قال : يا رسول الله كيف لي بذلك قال : هو ذاك وإلا فالنار ). وروي عن قتادة :( أن رجلا من أهل الصفة مات، فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( كية ) ثم توفي رجل آخر فوجد في مئزره ديناران فقال كيتان ). وهناك أحاديث أخرى وردت في الكتب الخمسة في ذم المال والاكتناز والتحذير من فتنتهما. منها حديث رواه الترمذي عن كعب بن عياض عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال ) ( ٢ )(٩). وحديث رواه الترمذي عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا ) ( ٣ )(١٠). وحديث رواه البخاري عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا ) ( ٤ )(١١). وحديث رواه مسلم والترمذي عن مطرف عن أبيه قال :( انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : ألهاكم التكاثر. قال : يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت ) ( ٥ )(١٢). وحديث رواه أبو داود عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا، إلا ما لا، يعني ما لا بد منه ) ( ١ )(١٣). وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض ) ( ٢ )(١٤).
وحديث رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( قد أفلح من أسلم، وكان رزقه كفافا وقنعه الله ) ( ٣ )(١٥). وحديث رواه الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة. فقالت عائشة : لم يا رسول الله ؟ قال : إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ) ( ٤ )(١٦). وحديث رواه الترمذي عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( يا عائشة إن أدرت اللحوق بي فيكفيك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تستخلقي ثوبا حتى ترقعيه ) ( ٥ )(١٧). وحديث رواه الترمذي عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه، وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء ) ( ٦ )(١٨). وحديث رواه الترمذي عن عبيد الله بن محصن عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ) ( ٧ )(١٩). وحديث رواه الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك، ثم نفض يده فقال : عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه ) ( ٨ )(٢٠). وحديث رواه الشيخان عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( إن هذا المال حلو من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ) ( ١ )(٢١). وحديث رواه البغوي عن أبي ذر قال :( انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال : هم الأخسرون ورب الكعبة. فجئت حتى جلست فلم أتقار أن قمت فقلت : يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم ؟ فقال : الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ). وروي عن أبي ذر أ

١ انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والزمخشري. والنصوص التي ننقلها هي من الطبري والبغوي وابن كثير..
٢ التاج ج ٢ ص ٦..
٣ تفسير القاسمي..
٤ انظر تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والقاسمي. ومعظم ما نورده من نصوص وارد في تفسير الطبري..
٥ روى هذا الحديث البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. انظر التاج ج ٢ ص ٧..
٦ روى هذا الحديث البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. انظر التاج ج ٢ ص ٦ – ٧..
٧ روى الترمذي هذا الحديث بهذه الصيغة: (لما نزلت الآية قال: بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انزل في الذهب والفضة ما أنزل لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال: أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه) انظر التاج ج ٤ ص ١١٦..
٨ أوردناه قبل حديثا رواه الشيخان عن أبي هريرة صيغته مقاربة لهذه الصيغة مع فارق مهم هو أن الوعيد لمن لا يؤدي زكاة كنزه..
٩ التاج ج ٥ ص ١٤٧ – ١٥٩..
١٠ المصدر نفسه..
١١ المصدر نفسه..
١٢ المصدر نفسه..
١٣ التاج ج ٥ ص ١٤٧ – ١٥٩..
١٤ المصدر نفسه..
١٥ المصدر نفسه..
١٦ المصدر نفسه..
١٧ المصدر نفسه..
١٨ المصدر نفسه..
١٩ المصدر نفسه..
٢٠ المصدر نفسه..
٢١ التاج ج ٥ ص ١٤٧ – ١٥٩..

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير