ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار يعني العلماء من أهل الكتاب والرهبان عن النصارى ليأكلون أي ينتفعون بها ويأخذونها، ذكر الأكل وأراد به مطلقا الانتفاع أو الأخذ نفسه لأن الأكل أحل الانتفاعات والغرض الأعظم من الأخذ، أموال الناس بالباطل يأخذون الرشوة في أحكامهم ويحرفون كلام الله ويكتبون بأيديهم كتبا ويقولن هذه من عند الله، ويغيرون نعت النبي صلى الله عليه وسلم يخافون أنهم لو صدقوا لذهب عنهم المأكل التي كانوا يأكلونها من سفلتهم ويصدون أي : يصرفون الناس عن سبيل الله أي : دينه والذين يكنزون الذهب والفضة الظاهر أن المراد بالموصول الأحبار والرهبان، والموصول معطوف على مقدرة مفهوم مما سبق تقديره فهم يعني الذين يأكلون أموال الناس وينتفعون بها والذين يكنزونها ثم لا ينفقونها الضمير راجع إلى المعنى لأن كلوا أحد منها دراهم ودنانير أو أريد به الكنوز أو الأموال أو يكون الضمير راجعا إلى الفضة لكونها أكثر استعمالا في الإنفاق، وفيه إشارة إلى أن زكاة الذهب والفضة يضم أحدهما إلى الآخر في اعتبار النصاب فيؤدي الزكاة من احدهما، قال : أبو حنيفة رحمة الله بضم احدهما إلى الآخر بالقيمة وقال صاحباه يضم بالأجزاء فمن كان عنده عشرة مثاقيل ذهب ومائة درهم يجب الزكاة إجماعا. وإن كان عنده مثاقيل من ذهب قيمتها مائة درهم أو أكثر يعتبر نصاب الفضة، ويجب زكاتها عند أبي حنيفة دون صاحبيه وكذا إن كان عنده خمسة مثاقيل ذهب ومائة درهم قيمتها خمسة عشر مثاقيل ذهب أو أكثر يعتبر نصاب الذهب ويجب زكاتها أيضا عند أبي حنيفة دون صاحبيه، فيه إشارة إلى أنه لا يجب إنفاق جميع المال بل يكفي إنفاق بعضها كالفضة مثلا من الجنسين والله اعلم.
خص الله سبحانه النوعين بالذكر من بين سائر الأموال الظاهر لأنهما أثمان الأشياء وغيرهما من الأموال يقدر بهما من غير عكس، ولأجل هذا وجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغ نصابا من ذهب أو فضة دون غيرهما من نصب أموال الزكاة، فذكرهما يغني عن ذكر سائر الأشياء أو لأنهما يكنزان غالبا دون غيرهما. في سبيل الله قلت : عدم الإنفاق في سبيل الله يعم عدم الإنفاق أصلا في غير سبيل الله بل في اتباع النفس والشيطان كالذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، لكن لما سبق في الآية إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله علم أن المراد هاهنا عدم الإنفاق أصلا كما يستدعيه قوله تعالى : يكنزون ، والإنفاق في سبيل الله يعم الزكاة المفروضة والصدقة النافلة والنفقات الواجبة المستحبة وكلما كان في طاعة الله تعالى، عن ابن مسعود قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أنفق المسلم عن أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة " (١) متفق عليه وعن أبي هريرة قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" دينار أنفقته في سبيل الله في رقبة ودينار تصدقت به على المسكين ودينار أنفقته على اهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على اهلك " (٢) رواه مسلم، وعن ثوبان قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه على دابة في سبيل الله ودينار على أصحابه في سبيل الله " (٣) وعن أم سلمة قالت : قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألي أجر إن أنفق على بني سلمة إنما هم بني فقال :" أنفقي عليهم ذلك اجر ما أنفقت عليهم " (٤) متفق عليه، وعن زينب امرأة ابن مسعود سألت هي وامرأة أخرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما ؟ قال :" لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة " (٥) متفق عليه فبشرهم ، يعني كلا الفريقين الذي يأكلون أموال الناس بالباطل والذين يكنزون ولا ينفقون أصلا بعذاب اليم فعلى هذا التأويل الذي ذكرت حكم الآية مختص بأهل الكتاب، وقال الحسن عن بعض الصحابة وفي غيرهم بدلالة النص ويحتمل أن يكون قوله تعالى والذين يكنزون كلاما مستأنفا غير مختص بأهل الكتاب و به قال : أبو ذر، وعلى هذا التأويل سياق الكلام يقتضي أن يقدر قوله تعالى إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ولم يذكر هناك اكتفاء في الجملة التالية.
فائدة
وفي تقريع بشارة العذاب على الكنز وعدم الإنفاق جميعا إشارة إلى أنه لا بأس بالكنز لو انفق منها في سبيل الله ما وجب فيها وعليه انعقد الإجماع اخرج الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل وابن مردويه والبيهقي في سننه من حديث ابن عمر قوله صلى الله عليه وسلم :" ما أدي زكاته فليس بكنز أوعد عليه، قال : البغوي روى مجاهد عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين وقالوا ما يستطيع أحد منا لا يدع لولده شيئا فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم " (٦) قلت أخرج هذا الحديث أبو داود وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس وزاد :" وإنما فرض المواريث ليكون من بعدكم "، وقال البغوي قال : ابن عمر ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكيه واعمل بطاعة الله، واخرج ابن أبي حاتم والحاكم وأبو الشيخ وابن حبان موقوفا على علي ابن أبي طالب انه قال : كل مال على أربعة آلف درهم فهي كنز أديت فيه الزكاة أو لم يؤدوا ما دونها نفقة وقيل : ما فضل عن الحاجة كنز لحديث أبي ذر قال : انتهيت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في طل الكعبة فلما رآني قال :" هم الأخسرون ورب الكعبة " قلت : فدالك أبي وأمي من هم :" هم الأكثرون أموالا إلا من قال : هكذا وهكذا و هكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم " (٧) متفق عليه، وحديث أبي ذر أيضا مرفوعا :" من ترك صفراء وبيضاء كوى بها " أخرجه البخاري في تاريخه وابن جرير وابن مردويه، قلت : لعل المراد بهذا الحديث أنه كوي أن لم يؤد حقها وكذا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق " إلا من قال : هكذا المراد إلا من أدى ما وجب فيها فإن الأكثرين أموالا يجب عليهم مال كثير، وفي الزكاة فلا بد أن ينفقوا من كل جانب وفي كل باب من أبواب الخير.
واحتج من قال : إن فضل عن الحاجة فكنز أيضا بحديث أبي أمامة قال : مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار، فقال : النبي صلى الله عليه وسلم " كية "، ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال : النبي صلى الله عليه وسلم " كيتان " (٨)، ذكره البغوي وحديث ابن مسعود قال : توفي رجل من أهل الصفة فوجدوا في شملته دينارين فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :" كيتان " وفي حديث مسعود بن عمر انه أتى برجل يصلي عليه فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " كم ترك " ؟ قالوا : دينارين أو ثلاثة، قال عليه السلام :" كيتين أو ثلاث كيات " فلقيت عبد الله أبا القاسم سوى أبي بكر فقال : ذك رجل يسأل الناس تكثرا رواه البيهقي، من رواي يحيى بن عبد الحميد الحماني، قلت : وما ذكر أبو القاسم محمل لحديث أبي أمامة وابن مسعود أيضا ويمكن أن يقال من التزم على نفسه التصرف وعاهده الله تعالى على الترك والتوكل ولا يكون ذا عيال عليه حقوق الناس لا يجوز له أن يمسك فوق حاجته قال : الله تعالى : أوفوا بالعقود (٩) وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا (١٠)فكان أهل الصفة من هذا النوع من الرجال وقول علي رضي الله عنه محمول على صوفي ذا عيال وعلي رضي الله عنه أبو الصوفية أجمعين.

١ أخرجه البخاري في كتاب: النفقات باب: فضل النفقة على الأهل (٥٣٥١) وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب: فضل الصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين (١٠٠٢)..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة: باب: فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم (٩٩٥).
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة باب: فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم(٩٩٤).
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر (١٤٦٧)، وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين (١٠٠١)..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر (١٤٦٦)، وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة باب: فضل الصدقة والنفقة على الأقربين (١٠٠٠).
٦ أخرجه أبو داود في كتاب: الزكاة باب: في حقوق المال (١٦٦٣).
٧ أخرجه البخاري في كتاب: اليمان والنذور باب: كيف يمين النبي صلى اله عليه وسلم (٦٦٣٨) وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة ٩٩٠.
٨ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب وقد وثق، انظر مجمع الزوائد في كتاب:
الزهد باب: في الإنفاق والإمساك (١٧٧٧٠).

٩ سورة المائدة، الآية ١..
١٠ سورة الإسراء، الآية ٣٤..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير