قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية.
أظهر الأقوال وأقربها للصواب في معنى يَكْنِزُونَ في هذه الآية الكريمة، أن المراد بكنزهم الذهب والفضة وعدم إنفاقهم لها في سبيل الله، أنهم لا يؤدون زكاتهما.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : وأمَّا الكنز ؟ فقال مالك : عن عبد الله بن دينار ؛ عن ابن عمر ؛ هو المال الذي لا تؤدى زكاته.
وروى الثوري، وغيره، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال : ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان نحت سبع أرضين، وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته فهو كنز، وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، موقوفاً ومرفوعاً.
وقال عمر بن الخطاب نحوه : أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض اه.
وممن روى عنه هذا القول عكرمة، والسدي، ولا شك أن هذا القول أصوب الأقوال، لأن من أدى الحق الواجب في المال الذي هو الزكاة لا يكوى بالباقي إذا أمسكه، لأن الزكاة تطهره كما قال تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [ التوبة : ١٠٣ ] ولأن المواريث ما جعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها.
ومن أصرح الأدلة في ذلك، حديث طلحة بن عبيد الله وغيره في قصة الأعرابي أخي بني سعد، من هوازن، وهو ضمام بن ثعلبة لما أخبره النَّبي صلى الله عليه وسلم : بأن الله فرض عليه الزكاة، وقال : هل على غيرها، فإن النَّبي قال له : لا، إلا أن تطوع : وقوله تعالى : وَيَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [ البقرة : ٢١٩ ] وقد قدمنا في «البقرة » تحقيق أنه ما زاد على الحاجة التي لا بد منها، وقوله :«ليس فيما دون خمسة أوسق » الحديث، لأن صدقة نكرة في سياق النفي فهي تعم نفي كل صدقة.
وفي الآية أقوال أخر :
منها : أنها منسوخة بآيات الزكاة كقوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [ التوبة : ١٠٣ ] الآية.
وذكر البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضاً. وبه قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك. اه.
وعن علي أنه قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة وما كان أكثر من ذلك فهو كنز، ومذهب أبي ذر رضي الله عنه في هذه الآية معروف، وهو أنه يحرم على الإنسان أن يدخر شيئاً فاضلاً عن نفقة عياله. اه ولا يخفى أن ادخار ما أديت حقوقه الواجبة لا بأس به، وهو كالضروري عند عامة المسلمين.
فإن قيل : ما الجواب عما رواه الإمام أحمد، عن علي رضي الله عنه، قال : مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كيتان صلوا على صاحبكم » اه. وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة صدى بن عجلان قال : مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كية » ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كيتان » : وما روى عبد الرزاق وغيره عن علي رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال :«تباً للذهب تباً للفضة يقولها ثلاثاً فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : فأي مال نتخذ ؟ فقال عمر رضي الله عنه : أنا أعلم لكم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله : إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا : فأي المال نتخذ ؟ فقال :«لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة تعين أحدكم على دينه ». ونحو ذلك من الأحاديث.
فالجواب والله تعالى أعلم أن هذا التغليظ كان أولاً ثم نسخ بفرض الزكاة كما ذكره البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وقال ابن حجر في [ فتح الباري ] : قال ابن عبد البر : وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش ؛ فهو كنز يذم فاعله. وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.
وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانع الزكاة، إلى أن قال : فكان ذلك واجباً في أول الأمر، ثم نسخ، ثم ذكر عن شداد بن أوس أنه قال : كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه ثم يرخص فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول. اه.
وقال بعض العلماء : هي في خصوص أهل الكتاب، بدليل افترانها مع قوله : إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار وَالرُّهْبَانِ [ التوبة : ٣٤ ] الآية.
فإذا علمت أن التحقيق أن الآية عامة، وأنها في من لا يؤدي الزكاة، فاعلم أن المراد بها هو المشار إليه في آيات الزكاة ؛ وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن البيان بالقرآن إذا كان غير واف بالمقصود نتمم البيان من السنة، من حيث إنها بيان للقرآن المبين به، وآيات الزكاة كقوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [ التوبة : ١٠٣ ] الآية، وقوله : وَآتَوُاْ الزكاة [ البقرة : ٢٧٧ ] وقوله : أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض [ البقرة : ٢٦٧ ] لا تفي بالبيان فتبينه بالسنة، وقد قال ابن خويز منداد المالكي، تضمنت هذه الآية : زكاة العين، وهي تجب بأربعة شروط، حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. اه وفي بعض هذه الشروط خلاف.
* * *
مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة
المسألة الأولى : في قدر نصاب الذهب والفضة، وفي القدر الواجب إخراجه منهما.
أما نصاب الفضة، فقد أجمع جميع العلماء على أنه مائتا درهم شرعي، ووزن الدرهم الشرعي ستة دوانق، وكل عشرة دراهم شرعية فهي سبعة مثاقيل، والأوقية أربعون درهماً شرعياً.
وكل هذا أجمع عليه المسلمون فلا عبرة بقول المريسي، الذي خرق به الإجماع ؛ وهو اعتبار العدد في الدراهم لا الوزن، ولا بما انفرد به السرخسي من الشافعية، زاعماً أنه وجه في المذهب، من أن الدرهم المغشوشة إذا بلغت قدراً لو ضم إليه قيمة الغش من نحاس مثلاً لبلغ نصاباً أن الزكاة تجب فيه، كما نقل عن أبي حنيفة، ولا بقول ابن حبيب الأندلسي، إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم، ولا بما ذكره ابن عبد البر ؛ من اختلاف الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد، لأن النصوص الصحيحة الصريحة التي أجمع عليها المسلمون مبينة أن نصاب الفضة مائتا درهم شرعي بالوزن الذي كان معروفاً في مكة. اه.
وكل سبعة مثاقيل فهي عشرة دراهم، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال :«ليس فيما دون خمس أواق صدقة » ورواه مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه. وقد أجمع جميع المسلمين، وجمهور أهل اللسان العربي، على أن الأوقية أربعون درهماً، وما ذكره أبو عبيد وغيره، من أن الدرهم كان مجهولاً قدره حتى جاء عبد الملك بن مروان، فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل لا يخفى سقوطه وأنه لا يمكن أن يكون نصاب الزكاة وقطع السرقة مجهولاً في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم، حتى يحققه عبد الملك. والظاهر أن معنى ما نقل من ذلك : أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام، وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد : فعشرة مثلاً وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربية ويصيرونها وزناً واحداً. وقد ذكرنا تحقيق وزن الدرهم في الأنعام، وقال بعض العلماء : يغتفر في نصاب الفضة النقص اليسير الذي تروج معه الدراهم رواج الكاملة.
وظاهر النصوص أنه لا زكاة إلا في نصاب كامل، لأن الناقص ولو بقليل يصدق عليه أنه دون خمس أواق، والنَّبي صلى الله عليه وسلم : صرح بأن ما دونها ليس فيه صدقة.
فإذا حققت النص والإجماع، على أن نصاب الفضة مائتا درهم شرعي، وهي وزن مائة وأربعين مثقالاً من الفضة الخالصة، فاعلم أن القدر الواجب إخراجه منها ربع العشر بإجماع المسلمين، وقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«وفي الرقة ربع العشر » والرقة : الفضة.
قال البخاري في صحيحه في باب «زكاة الغنم » : حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال : حدثني أبي، قال : حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس ؛ أن أنساً حدثه، أن أبا بكر رضي الله عنه، كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين «بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصدقة، التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله » الحديث : وفيه ؛ وفي الرقة : ربع العشر، وهو نص صريح صحيح أجمع عليه جميع المسلمين.
فتحصل أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب الزكاة في الفضة، ولا خلاف بينهم في أن نصابها مائتا درهم شرعي، ولا خلاف بينهم في أن اللازم فيها ربع العشر.
وجمهور العلماء : على أنها لا وقص فيها خلافاً لأبي حنيفة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، والشعبي، ومكحول، وعمرو بن دينار، والزهري، القائلين : بأنه لا شيء في الزيادة على المائتين حتى تبلغ أربعين، ففيها درهم.
وأما الذهب : فجماهير علماء المسلمين، على أن نصابه عشرون ديناراً والدينار : هو المثقال، فلا عبرة بقول من شذ وخالف جماهير علماء المسلمين، كما روي عن الحسن في أحد قوليه : أن نصاب الذهب أربعون ديناراً، وكقول طاوس، أن نصاب الذهب معتبر بالتقويم بالفضة، فما بلغ منه قيمة مائتي درهم وجبت فيه الزكاة. وجماهير علماء المسلمين أيضاً، على أن الواجب فيه ربع العشر.
والدليل على ما ذكرنا عن جمهور علماء الأمة، أن نصاب الذهب عشرون ديناراً، والواجب فيه ربع العشر، ما أخرجه أبو داود، في سننه، حدثنا سليمان بن داود المَهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، وسمي آخر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، والحارث الأعور، عن علي رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال :«فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فَبِحِسَاب ذلك » قال : فلا أدري أَعَلِيٌ يقول فَبِحِسَاب ذلك، أو رفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ؟ وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، إلا أن جريراً قال : ابن وهب، يزيد في الحديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم :«ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول » اه.
فإن قيل : هذا الحديث مضعف بالحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة، لأنهما ضعيفان، وبأن الدارقطني، قال : الصواب وقفه على علي، وبأن ابن المواق قال : إن فيه علة خفية وهي، أن جرير بن حازم، لم يسمعه من أبي إسحاق، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن وهب، سحنون، وحرملة، ويونس، وبحر بن نصر، وغيرهم، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم والحارث بن نبهان، عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق، فذكره، قال ابن المواق : الحمل فيه على سليمان، شيخ أبي داود، فإنه وهم في إسقاط رجل اه.
وبأن الشافعي رحمه الله قال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الورق صدقة، وأخذ المسلمون
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان