والغلبة" (١)، وقد صح ظهوره عليها فحجة هذا الدين أقوى الحجج، والغلبة لهذا الدين على سائر الأديان؛ فإن أهل الإسلام يغزون أهل سائر الملل، [وأهل سائر الملل] (٢) لا يغزون أهل الإسلام (٣).
وقيل: أراد في جزيرة العرب (٤)، وحصل ذلك بإجلاء أهل الذمة منها، وظهور الدين فيها كلها.
٣٤ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ قال ابن عباس: "يريد أن كثيراً من الفقهاء والعباد من أهل
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٣) هذا يوم كان المسلمون أمة واحدة معتصمين بحبل الله، مستمسكين بدينه، وكان الله يدافع عنهم، ويعلي شأنهم، ويقذف الرعب في قلوب أعدائهم، أما اليوم بعد أن طال على المسلمين الأمد، وقست قلوبهم، وتفرقت كلمتهم، وقذف في قلوبهم الوهن -حب الحياة وكراهية الموت- فقد تسلط عليهم الأعداء، وأصبحت بلاد المسلمين نهبًا لكل طامع، وصدق فيهم قول نبيهم - ﷺ -: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلة يومئذٍ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل". رواه أحمد ٥/ ١٧٨ بسند صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" رقم (٨١٨٣).
(٤) ذكره بمعناه الثعلبي ٦/ ٩٩ ب، والبغوي ٤/ ٤٠، وبلفظه القرطبي ٨/ ١٢٢، وأبو حيان ٥/ ٣٣، ولم يعين أحد منهم القائل.
وهذا القول فيه نظر؛ فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وذلًا يذل الله به الكفر". رواه أحمد في "المسند" ٤/ ٦، ١٠٣/ ٤.
الكتاب" (١)، وقال السدي: "أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى" (٢).
وقوله تعالى: لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ هو ما ذكرنا في مواضع من أخذهم الرشى (٣) في الحكم وما كانوا يصيبونه من المآكل من سفلتهم، وخافوا ذهاب ذلك عنهم بتصديق النبي -صلى الله عليه وسلم- لو صدقوه، فصرفوا الناس عن الإيمان به، فذلك قوله (٤): وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، قال ابن عباس: "يريد قريظة والنضير وصدهم (٥) عن طاعة الله" (٦)، قال أهل المعاني: "أراد بقوله: لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ يتملكونها، فوضع يأكلون موضعه؛ لأن الأكل عرّضهم لذلك" (٧).
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ذكر في محل "الذين" قولان: أحدهما: النصب بالعطف على اسم إن، فيكون المعنى
(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١١٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٧، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٤١٧.
(٣) الرشى: بضم الراء وكسرها، جمع رشوة، وهي ما يعطاه من يعين على الباطل. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (رشا) ٢/ ٢٢٦، و"لسان العرب" (رشا) ٣/ ١٦٥٣.
(٤) ساقط من (ح).
(٥) في (ح) و (ى): (فصدهم).
(٦) في "تنوير المقباس" ص ١٩٢: ("ويصدون عن سبيل الله": عن دين الله وطاعته.
(٧) انظر: "زاد المسير" ٣/ ٤٢٨، و"مفاتيح الغيب" ١٦/ ٤٣ ولبم أجد من ذكره من أهل المعاني.
ويأكلها الذين يكنزون. والثاني: الرفع بالاستئناف (١)، والقولان مبنيان على سبب النزول.
واختلفوا في نزول الآية، فالأكثرون على أن قوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ إلى آخره مستأنف نازل في هذه الأمة، قال ابن عباس في رواية عطاء: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يريد: من المؤمنين" (٢)، وقال السدي: "أما الذين يكنزون الذهب والفضة فهم أهل القبلة" (٣)، وروي عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية فقال: هم أهل الكتاب، وهي خاصة [عامة] (٤)، قال أهل العلم: "أراد أن الآية نازلة في أهل الكتاب وهي خاصة] (٥) فيمن لم يؤد الزكاة من المسلمين، عامة في جميع أهل الكتاب من أنفق ومن (٦) لم ينفق؛ لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا" (٧)، وقال أبو ذر: "كنت بالشام فقرأت هذه الآية: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب، فقلت: إنها لفينا وفيهم" (٨).
(٢) ذكره بنحوه ابن الجوزي ٣/ ٤٢٩.
(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١١٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨.
(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢٠ من رواية العوفي.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٦) من (م).
(٧) القول لابن جرير، انظر: "تفسيره" ١٠/ ١٢١، والمتبادر إلى الذهن أن معنى قول ابن عباس -إن صح عنه -: هي خاصة في أهل الكتاب، عامة فيمن فعل فعلهم من المسلمين.
(٨) رواه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب ما ذكر في الكنز.. =
وأصل الكنز في كلام العرب: الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، على ظهر الأرض كان أو في بطنها، يدل على ذلك قول الهذلي (١):
| لا دَرَّ دَرّي إن أطعمت نازلكم | قِرْف الحتيّ وعندي البر مكنوز (٢) |
(١) هو: المتنخل الهذلي، وهو مالك بن عويمر أو عمرو بن عثمان بن حبيث الهذلي، أبو أثيلة، شاعر مجيد، من نوابغ شعراء هذيل. انظر: "خزانة الأدب" ٢/ ١٣٥، و"الشعر والشعراء" ص ٤٣٨، و"الأعلام" ٥/ ٢٦٤.
(٢) البيت منسوب للمتنخل في "شرح أشعار الهذليين" ٣/ ١٢٦٣، و"جمهرة اللغة" (برر) ١/ ٦٧، و"شرح أبيات سيبويه" ١/ ٥٥٠، و"لسان العرب" (برر) ١/ ٢٥٤، كتاب "المعاني الكبير" ١/ ٣٨٤، ونسب البيت لأبي ذؤيب الهذلي في كتاب "الحيوان" ٥/ ٢٨٥، و"شرح شواهد الشافية" ص ٤٨٨، ونسب أيضًا للمتلمس، وهو في ملحق "ديوانه" ص ٢٩١.
قال ابن قتيبة: "يقال: لا در در فلان: أي لا كانت له حلوبة ولا رزق، والحتي: سويق المقل، والقرف: ما انقشر منه" كتاب "المعاني الكبير" ١/ ٣٨٤.
(٣) "تهذيب اللغة" (كنز) ٤/ ٣١٩٢، ونحوه في كتاب "العين" (كنز) ٥/ ٣٢١.
(٤) انظر: "المصنف" للصنعاني ٤/ ١٠٦ - ١٠٨، ولابن أبي شيبة ٣/ ١٩٠، و"تفسير ابن جرير" ١٠/ ١١٧ - ١٢٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨ - ١٧٨٩، والثعلبي ٦/ ١٠٠ أ - ١٠١ ب، و"الدر المنثور" ٣/ ٤١٧ - ٤١٩.
ومعنى قوله: وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يؤدون زكاتها وهذا مذهب عمر وابنه وجابر، وقول ابن عباس (١) والضحاك (٢) والسدي (٣)، قال ابن عمر: "كل ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز، وإن كان فوق الأرض" (٤)، وقال عمر: "ما أدي (٥) زكاته فليس بكنز" (٦)، وقال جابر: "إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز" (٧).
وقال ابن عباس في قوله تعالى: وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ "يريد: الذين لا يؤدون زكاة أموالهم" (٨).
(٢) رواه الثعلبي ٦/ ١٠٠ أ.
(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١١٨، والثعلبي ٦/ ١٠٠ أ.
(٤) رواه الصنعاني في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب إذا أديت زكاته فليس بكنز، رقم (٧١٤١) ٤/ ١٠٧، وابن جرير ١٠/ ١١٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨، والثعلبي ٦/ ١٠٠ أ، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب تفسير الكنز رقم (٧٢٣٠) ٤/ ١٣٩، ورواه مختصرًا مالك في "الموطأ"، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الكنز ١/ ٢١٨، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب ما قالوا في المال الذي تؤدى زكاته فليس بكنز ٣/ ١٩٠.
(٥) في (ى): (ما أدري).
(٦) رواه الصنعاني وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي في المصادر السابقة، نفس المواضع.
(٧) المصادر السابقة، نفس المواضع، عدا ابن جرير وابن أبي حاتم، ورواه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله... إلخ رقم (٧٢٣٩) ٤/ ١٤١.
(٨) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢١، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" ٣/ ٤١٧، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.
وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا جمع المال وإن أديت الزكاة، قال (١) علي -رضي الله عنه-: "كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه (٢) الزكاة أو لم تؤد" (٣)، وقال عبد الواحد بن زيد (٤): "كل ما فضل من المال عن حاجته (٥) صاحبه إليه فهو كنز" (٦)، وروى ثوبان عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لما نزلت هذه الآية: "تبًا للذهب تبًا للفضة يقولها ثلاثًا" قالوا: يا رسول الله: فأي المال نتخذ؟ قال: "لسانا ذاكرًا، وقلبا شاكرًا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه" (٧).
(٢) في (ح): (عنه).
(٣) رواه الصنعاني في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب كم الكنز؟ رقم (٧١٥٠) ٤/ ١٠٩، وابن جرير ١٠/ ١١٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨، والثعلبي ٦/ ١٠٠ ب.
(٤) هو: عبد الواحد بن زيد القاص، أبو عبيدة البصري، عابد قاص مشهور، له حكايات في الزهد والرقائق، لكنه لبس له علم بالحديث، قال البخاري: منكر الحديث، يذكر بالقدر، وقال الجوزجاني: سيء المذهب، ليس من معادن الصدق، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه. انظر: "حلية الأولياء" ٦/ ١٥٥، و"صفة الصفوة" ٣/ ٢١٧، و"تعجيل المنفعة" ١/ ٨٣٠.
(٥) ساقط من (ح).
(٦) "تفسير الثعلبي" ٦/ ١٠٠ ب.
(٧) رواه الترمذي (٣٠٩٤)، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة، وابن ماجه، (١٨٥٦) كتاب النكاح، باب أفضل النساء، وأحمد في "المسند" (٥/ ٢٧٨، ٢٨٢، ٣٦٦)، وابن جرير ١٠/ ١١٩، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ٢٥٠)، وصححه الألباني كما في "صحيح ابن ماجه" (١٥٠٥)، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" ٢/ ٧١: حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب.
وعن أبي ذر قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في ظل الكعبة، فلما رآني قد أقبلت قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة، [هم الأخسرون ورب الكعبة] (١) " قلت: من هم فداك أبي وأمي؟ قال: "الأكثرون، إلا من قال بالمال في عباد الله هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم" (٢).
وروي هنا أيضًا عن جماعة من الصحابة أنهم ذهبوا إلى أن (٣) هذه الآية فيمن ادخر المال عن الإنفاق في سبيل الله بعد الزكاة أيضًا (٤).
والصواب: القول الأول؛ لأنه لا وعيد لمن جمع المال من الحلال وأدى الزكاة لقوله - ﷺ -: "من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه" (٥)، وقوله - ﷺ -: "نعما بالمال الصالح للرجل الصالح" (٦)، وقول ابن عمر
(٢) رواه البخاري (٦٦٣٨)، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي؟ ومسلم (٩٩٠)، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، والترمذي (٦١٧)، كتاب الزكاة، باب ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منع الزكاة من التشديد، والنسائي، كتاب الزكاة، باب التغليظ في حبس الزكاة ٥/ ١٠، ١١.
(٣) ساقط من (ى).
(٤) ذكر منهم علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو هريرة وعمار بن ياسر. انظر: "تفسير الثعلبي" ٦/ ١٠١ أ، وابن كثير ٢/ ٣٨٨، وبعض الأسانيد إليهم ضعيفة.
(٥) حديث ضعيف، رواه أبو داود في "المراسيل" عن الحسن عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٦٠، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله... إلخ رقم (٧٢٤١) ٤/ ١٤٢، وانظر "ضعيف الجامع الصغير"، رقم (٥٣٧٩).
(٦) رواه الإمام أحمد في "المسند" ٤/ ٢٠٢، وذكره البغوي في "شرح السنة"، كتاب الرقاق، باب استحباب طول العمر... ٧/ ٣١٩ بغير سند.
-وسئل عن هذه الآية-، فقال: "من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، وما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبًا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله فيه" (١)، فعلى هذا من كان له دراهم أو دنانير فدفنها تحت الأرض وهو (٢) يؤدي زكاتها فهو بمعزل عن (٣) الوعيد المذكور في هذه الآية، ولا يطلق اسم الكنز بالشرع على ذلك المال (٤)، وإن كان له مال فوق الأرض وهو لا يؤدي زكاته فذلك المال بالشرع يسمى (٥) كنزًا، ولحقه الوعيد.
وقوله تعالى: وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قال الفراء والزجاج: "إن شئت جعلت الكناية (٦) راجعة إلى مدلول عليه، وهو الكنوز كأنه قال: ولا
(٢) من (م).
(٣) في (ى): (من).
(٤) ومما يؤيد ذلك ما يأتي:
أ- أن الله تعالى شرع الوصية والمواريث، ولو كان انفاق جميع المال واجبًا لما كان لمشروعية ذلك فائدة.
ب- نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- سعدًا أن يتصدق بجميع ماله، بل وأن يتصدق بأكثر من الثلث وذلك في مرضه الذي غلب على ظنه موته فيه، ثم تعليل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك بقوله: ".. فالثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم" رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير.. ٤/ ٤٧، وهذا الحديث كان بعد فتح مكة كما جاء في أوله، فهو مبين ما استقر عليه الإسلام.
(٥) في (م): (يسمى بالشرع)... إ الخ.
(٦) يقصد الضمير في قوله تعالى: وَلَا يُنْفِقُونَهَا بالإفراد، وهو يعود إلى الذهب والفضة، وكان الظاهر أن يقول: ولا ينفقونهما.
ينفقون الكنوز" (١)، قال الزجاج: "ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال (٢)؛ لأن الأموال هي الذهب والفضة، قال: ويجوز أن تكون: ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهمب لأنه داخل في الفضة" (٣)، وهذا معنى قول الفراء: "وإن شئت اكتفيت بذكر أحدهما من صاحبه، كقوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا [الجمعة: ١١] فجعله (٤) للتجارة، وقوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا [النساء: ١١٢] (٥) فجعله للإثم، وأنشدوا (٦):
| نحن بما عندنا وأنت بما عندك | راض والرأي مختلف (٧) |
| إني ضمنت لمن أتاني ما جنى | وأبي (٨) وكان وكنت غير غدور (٩) |
(٢) اهـ. كلام الزجاج، المصدر السابق، نفس الموضع.
(٣) المصدر السابق، نفس الموضع.
(٤) في (ج): (فجعلها).
(٥) قد كرر ناسخ (ح) ذكر هذه الآية وزاد بعد الموضع الأول قوله: فجعله للتجارة.
(٦) عبارة الفراء: وقال الشاعر في مثل ذلك.
(٧) البيت لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي كما في "مجاز القرآن" ١/ ٣٩، و"شرح أبيات سيبويه" ١/ ٢٧٩، و"شرح شواهد الإيضاح" ص١٢٨، و"اللسان" (فجر) وقيل: هو لقيس بن الخطيم، كما في "زيادات ديوانه" ص٢٣٩، و"تلخيص الشواهد" ص ٢٠٥، و"الدرر اللوامع" ٥/ ٣١٤، و"كتاب سيبويه" ١/ ٧٥، ونسب في "الإنصاف" ص ٨٥ لدرهم بن زيد الأنصاري.
(٨) في (ح): (وأتى).
(٩) البيت للفرزدق كما في: "الإنصاف" ٨٥٥٥، و"شرح أبيات سيبويه" ١/ ٢٢٦، و"كتاب سيبويه" ١/ ٧٦، و"لسان العرب" (قعد) ٦/ ٣٦٨٨ وليس في ديوانه.
ولم يقل غدورين، وذلك لاتفاق المعنى يكتفى بذكر الواحد" (١).
وهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة قال: "صار الخبر عن أحدهما كالخبر (٢) عنهما، وأنشد قول ضابيء البرجمي (٣):
| فمن يك أمسى بالمدينة رحله | فإني وقيار بها لغريب (٤) (٥) |
وقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أي ضع الوعيد بالعذاب
(٢) في (ى): (عن الآخر).
(٣) هو بن الحارث بن أرطاة البرجمي التميمي. تقدمت ترجمته.
(٤) البيت لضابىء البرجمي كما في "الأصمعيات" ص ١٨٤، و"الإنصاف" ص ٨٥، و"خزانة الأدب" ٩/ ٣٢٦، و"كتاب سيبويه" ١/ ٧٥، و"لسان العرب" (قير) ٦/ ٣٧٩٣، و"نوادر أبي زيد" ص ٢٠.
(٥) "مجاز القرآن" ١/ ٢٥٧ بنحوه.
(٦) ساقط من (ى).
(٧) ساقط من (ى).
(٨) في (ح) و (ى): (ذكرهما).
(٩) ذكر قول ابن الأنباري بلفظ مقارب الثعلبي في "تفسيره" ٦/ ١٠٢ أ.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي